لا يحتاج الإعلام المصري إلى مزيد من الوجوه التي تجيد الوقوف أمام الكاميرات بقدر ما يحتاج إلى إعلاميين يعرفون كيف يحوّلون الشاشة إلى مساحة للفهم والمساءلة، وكيف ينتقلون بالحوار من مجرد تبادل للكلمات إلى مناقشة جادة تكشف الحقائق وتضع القضايا أمام الرأي العام. ومن هنا، تكتسب تجربة رامي رضوان أهميتها، لا باعتبارها موضوعًا للمديح أو الانتقاد الشخصي، بل مدخلًا لطرح سؤال أكثر إلحاحًا: كيف تتحول الخبرة الإعلامية إلى قيمة حقيقية للمشاهد؟
الحضور المهني وسنوات العمل أدوات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح أي إعلامي. فالمعيار الحقيقي هو جودة الأسئلة، ودقة المعلومات، والقدرة على اختبار إجابات الضيوف، ومتابعة التصريحات حتى تتضح المسافة بين ما يُقال وما يتحقق. والمذيع ليس مجرد ناقل للكلام أو مدير لحوار ينتهي بانتهاء الحلقة، بل صاحب مسؤولية مهنية تقتضي أن يضيف إلى معرفة الجمهور، وأن يضع المعلومات موضع الفحص، وأن يمنح المشاهد فرصة لفهم القضية بعيدًا عن الشعارات والانطباعات السريعة.
المشكلة التي ينبغي أن ينشغل بها الإعلام المصري ليست نقص الموضوعات أو غياب الأحداث، بل كيفية التعامل معها. فالقضايا الأكثر تداولًا على مواقع التواصل ليست بالضرورة الأكثر أهمية، والموضوع الذي يثير الجدل لا يضمن وحده تقديم محتوى مفيد. هناك ملفات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، من التعليم والصحة والخدمات وفرص العمل إلى تكاليف المعيشة، وتحتاج إلى معالجة تتجاوز الخبر العابر والتصريح السريع، لتبحث في الأسباب والمسؤوليات والنتائج.
وهنا يظهر الفارق بين إعلام يكتفي بملاحقة الحدث وإعلام يتابعه حتى نهايته. فطرح المشكلة لا يكفي ما لم يتبعه فحص للوقائع، ومواجهة للإجابات العامة، وعودة إلى الوعود السابقة لمعرفة ما تحقق وما تعطل. وإذا استضاف البرنامج مسؤولًا للحديث عن أزمة تمس الناس، فلا ينبغي أن تكون الغاية مجرد إتاحة مساحة للكلام، بل الوصول إلى معلومات محددة يستطيع المشاهد أن يفهم من خلالها طبيعة المشكلة، والإجراءات المتخذة بشأنها، والنتائج المنتظرة، والجهة المسؤولة عن التنفيذ.
ولا يعني ذلك أن يتحول الحوار إلى خصومة مفتعلة مع الضيوف، أو أن يصبح المذيع طرفًا يبحث عن انتصار شخصي أمام الكاميرا. فالمهنية لا تُقاس بحدة الصوت أو كثرة المقاطعات، وإنما بقدرة السؤال على الوصول إلى جوهر الموضوع. وقد يكون السؤال الهادئ أكثر قوة من مواجهة صاخبة، إذا كان محددًا ومدعومًا بالمعلومات ولا يسمح بالالتفاف حول القضية. المطلوب هو توازن دقيق بين احترام الضيف وحق الجمهور في إجابة واضحة، وبين إتاحة مساحة للشرح ورفض الاكتفاء بالكلام المرسل.
وفي هذا السياق، تطرح عودة رامي رضوان إلى التليفزيون المصري عبر برنامج «من ماسبيرو» سؤالًا يتجاوز استعادة الأسماء والخبرات: هل تقترن العودة برؤية تحريرية متجددة ومحتوى أكثر عمقًا؟ فالتحدي أمام ماسبيرو لا يتمثل في إعادة الظهور وحدها، بل في تقديم تجربة تملك ملامح واضحة، وتعرف جمهورها، وتختار ملفاتها على أساس أهميتها، وتمنح الحوار قيمة تتجاوز ما يمكن للمشاهد أن يجده في نشرات الأخبار أو المقاطع المتداولة عبر المنصات الرقمية.
إن استعادة الثقة لا تتحقق بالحنين إلى تاريخ التليفزيون المصري، ولا بمجرد عودة إعلاميين يمتلكون خبرة سابقة، بل بقدرة الشاشة على إثبات جدارتها في الحاضر. وهذا يتطلب محتوى يقترب من حياة الناس، ويمنح القضايا المعقدة وقتها، ويستضيف وجهات نظر مختلفة، ويتيح للمشاهد أن يميز بين المعلومة والرأي، وبين الوعد والإنجاز. فالمكانة التاريخية لا تعفي أي تجربة جديدة من الاختبار، بل تجعل مسؤوليتها أكبر في تقديم نموذج يستحق المتابعة.
ويمكن تحويل هذه الرؤية إلى خطوات عملية واضحة: إعداد ملفات موثقة قبل الحلقات، ومراجعة الأرقام والمعلومات، وتوجيه أسئلة محددة إلى المسؤولين، ونشر مصادر البيانات المستخدمة، والعودة إلى التصريحات السابقة للتحقق من تنفيذها. كما ينبغي تخصيص مساحة لمتابعة القضايا التي لم تُحل، بدلًا من تركها خلفنا بمجرد انتهاء النقاش عنها. ويمكن للمنصات الرقمية أن تصبح امتدادًا مهنيًا للبرنامج، عبر جمع أسئلة الجمهور ونشر الوثائق وإعلان نتائج المتابعة، لا أن تقتصر على الترويج للحلقات ومقاطعها القصيرة.
لكن تحميل المذيع وحده مسؤولية التطوير يتجاهل جانبًا أساسيًا من المعادلة. فالأداء الجيد يحتاج إلى فريق إعداد كفء، وبحث مهني، ومراجعة دقيقة للمعلومات، وإدارة تحريرية تتيح طرح الأسئلة الصعبة دون أن يتحول ذلك إلى استعراض أو خصومة. كما تحتاج المؤسسة الإعلامية إلى معايير واضحة لتقييم برامجها، لا تقتصر على نسب المشاهدة والتفاعل، بل تشمل جودة المعلومات، وعمق المعالجة، وقدرة البرنامج على متابعة القضايا وتحقيق فائدة ملموسة للجمهور.
ومن المهم كذلك أن تتسع مساحة الموضوعات التي تهم المواطن بعيدًا عن الاستجابة اليومية لما يتصدر المشهد. فالبرنامج الجاد يستطيع أن يخصص ملفات ممتدة لقضية واحدة، وأن يستعين بالخبراء والمتخصصين، وأن يشرح البيانات المعقدة بلغة مفهومة، وأن يمنح أصحاب المشكلات فرصة لعرض تجاربهم دون تحويل معاناتهم إلى مادة عاطفية عابرة. فالقيمة الإعلامية لا تكمن في نقل الشكوى وحدها، وإنما في وضعها أمام الجهات المعنية ومتابعة ما يمكن أن يترتب عليها.
ولا ينبغي إصدار حكم نهائي على تجربة إعلامية من دون شواهد محددة، لكن من حق الجمهور أن يطالب بمعايير واضحة لتقييمها: ماذا أضافت الحلقة؟ هل حصل المشاهد على إجابات حقيقية؟ هل عُرضت المعلومات من مصادر موثوقة؟ وهل عاد البرنامج إلى الملفات التي سبق أن ناقشها؟ هذه الأسئلة ليست تشددًا في التقييم، بل ضمانة لئلا يتحول الحوار التلفزيوني إلى نشاط يومي ينتهي أثره مع انتهاء البث.
إن تجربة رامي رضوان تتيح فرصة لمناقشة أوسع بشأن مستقبل الإعلام المصري، بعيدًا عن الأحكام الشخصية والمجاملات. فالمطلوب ليس الاحتفاء بالخبرة لمجرد وجودها، ولا التقليل منها، وإنما اختبار قدرتها على تقديم إضافة مهنية واضحة. والخبرة الحقيقية لا تثبتها السنوات وحدها، بل ما تنتجه من أسئلة أفضل، وإعداد أعمق، وحوار أكثر دقة، ومتابعة لا تتوقف عند حدود التصريح.
الإعلام المصري لا يحتاج إلى مزيد من الكلام عن التطوير، بل إلى تطوير يلمسه المشاهد في كل حلقة. وعندما تصبح المعلومة الموثقة أساس الحوار، والمساءلة جزءًا من الممارسة، والمتابعة معيارًا للنجاح، يمكن لبرامج مثل «من ماسبيرو» أن تتجاوز مجرد الظهور على الشاشة إلى الإسهام في بناء وعي عام أكثر قدرة على الفهم والحكم. فالمشاهد لا ينتظر من الإعلام أن يملأ وقته، وإنما أن يحترم عقله، ويكشف له ما لا يعرفه، ويمنحه إجابات تستحق ثقته.