في مشهد يعكس ثبات الرؤية المصرية واستراتيجيتها الواضحة تجاه قضايا الأمن القومي والوجودي، جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في افتتاح أسبوع القاهرة للمياه لتضع النقاط فوق الحروف، محددة معالم الطريق لمواجهة أحد أخطر تحديات العصر الحديث. فلم تكن الكلمة مجرد خطاب تقليدي في محفل دولي، بل كانت وثيقة فكرية وسياسية متكاملة ترسم ملامح سياسة مائية وطنية وإقليمية قائمة على العدالة والتعاون واحترام القانون الدولي، وإعلاء لغة العقل في إدارة الموارد المحدودة.
إن أهمية كلمة الرئيس السيسي تنبع في المقام الأول من حساسيتها الزمنية والمكانية، فهي تلقى في توقيت يشهد فيه العالم أزمات متصاحبة تتعلق بتغير المناخ، وشح المياه، والنزاعات المتزايدة على الأنهار العابرة للحدود. ومصر بحكم طبيعتها الجغرافية وتاريخها المائي العريق، تقف في قلب هذه المعادلـة الحرجة بوصفها إحدى أكثر دول العالم جفافا واعتمادا على شريان حياة واحد وهو نهر النيل. من هنا جاءت رسائل الرئيس واضحة وحاسمة لتؤكد أن المياه في عقيدة الدولة المصرية ليست مجرد سلعة اقتصادية أو موردا طبيعيا يمكن التفريط فيه، بل هي قضية وجود وكرامة إنسانية لا تقبل المساومة ولا التهاون. ولعل أبرز ما ميز الطرح الرئاسي هو التأكيد الدائم على المنهج السلمي والتعاوني الذي تتبناه مصر في التعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي وباقي قضايا حوض النيل. فعلى الرغم من المخاطر الجسيمة والتعنت الذي طبع مواقف الجانب الآخر على مدار سنوات، ظلت الدبلوماسية المصرية تمد يد التعاون، مؤكدة أن مياه النيل يجب أن تكون سببا للرخاء والتنمية المشتركة لجميع شعوب الإقليم، لا سببا للصراع والتوتر. وشددت الكلمة على ثوابت القانون الدولي الحاكمة للأنهار الدولية، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإضرار بالدول المشاطئة، والالتزام بالاتفاقيات الملزمة والتوصل إلى اتفاق قانوني عادل وملزم لملء وتشغيل السد. هذا الموقف يعكس نضجا سياسيا فريدا يوازن بين حماية الحقوق التاريخية والوجودية للشعب المصري، وبين إيمان راسخ بأن التنمية في دول حوض النيل يجب ألا تكون على حساب حياة الملايين في مصر.
وألصقت الكلمة الضوء بعمق على التحديات الداخلية التي تواجهها الدولة المصرية في إدارة قطاع المياه. فقد أدركت القيادة السياسية مبكرا أن مواجهة الشح المائي لا تكون فقط بالمطالبة بالحقوق عبر المفاوضات، بل تبدأ بالعمل الجاد والداخلي لترشيد الاستهلاك وتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه. ومن هنا جاء استعراض الجهود الهائلة التي تبذلها الدولة في إطار الاستراتيجية الوطنية للموارد المائية حتى عام 2050. هذه الاستراتيجية الشاملة، التي تتضمن مشروعات عملاقة لتبطين الترع، والتحول إلى نظم الري الحديثة، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والمعالجة الثلاثية بمواصفات عالمية، مثل محطة بحر البقر ومحطة الدلتا الجديدة، تمثل ملحمة هندسية واقتصادية غير مسبوقة. إن هذه المشروعات تؤكد أن مصر تتحمل تكاليف مالية باهظة لتأمين أمنها المائي، مما يعكس إرادة سياسية صلبة لا تعرف المستحيل. كما تناولت الكلمة البعد العالمي للتغيرات المناخية، مذكرة المجتمع الدولي بمسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه الدول النامية والأفريقية التي تعد الأكثر تضررا من تداعيات الاحتباس الحراري رغم كونها الأقل مساهمة في الانبعاثات الكربونية. فالجفاف والفيضانات المدمرة التي تضرب أجزاء واسعة من القارة السمراء تستوجب تضامنا دوليا حقيقيا، وتوفير التمويل اللازم لمشروعات التكيف مع تغير المناخ، وإدارة الموارد المائية بذكاء وكفاءة. لقد كان صوت مصر في المحافل الدولية دائما هو الصوت المدافع عن مصالح القارة الأفريقية، وكلمة الرئيس في أسبوع المياه جاءت لتجديد هذا الالتزام التاريخي، داعية إلى شراكات دولية قوية تفضي إلى حلول عملية ومستدامة.
ولا يمكن فصل البعد الاقتصادي والتنموي عن كلمة الرئيس، فالمياه هي العمود الفقري لأي خطة تنموية مستدامة. وفي ظل مساعي الدولة المصرية لتحقيق التنمية المستدامة ضمن "رؤية مصر 2030"، والتركيز على قطاعات حيوية مثل الزراعة لتحقيق الأمن الغذائي، فإن أي عجز مائي ينعكس مباشرة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين. ومن هنا كان التأكيد الرئاسي على حماية الأمن الغذائي للمصريين رسالة طمأنة بالغة الأهمية، توضح أن الدولة تسير بخطى مدروسة لتقليل الفجوة الغذائية من خلال التوسع الأفقي والعام، وتوطين التكنولوجيا الحديثة في الزراعة الذكية مناخيا والمستهلكة لأقل قدر ممكن من المياه. إن كلمة الرئيس السيسي في افتتاح أسبوع القاهرة للمياه لم تكن مجرد تقرير حالة، بل كانت نداء متجددا للضمير العالمي، وتأكيدا واثقا على أن مصر تملك من الوعي والقدرة والإرادة ما يؤهلها للعبور بسلام من هذه المرحلة الدقيقة. لقد رسم الرئيس خارطة طريق واضحة المعالم، قوامها التوازن الدقيق بين حماية الحقوق الوطنية المشروعة، ومد جسور التعاون والشراكة مع الأشقاء، والاعتماد على الذات من خلال الابتكار والإدارة الرشيدة للموارد.
وفي خضم عالم يعج بالاضطرابات والتقلبات، تظل الدولة المصرية بقيادتها الواعية حصنا منيعا يدرك قيمة الاستقرار، ويعلم تمام العلم أن المياه هي قصة البقاء والتاريخ والمستقبل. ويبقى أسبوع القاهرة للمياه، بخلاصاته ورسائله، منصة دولية رائدة تعكس الدور الريادي لمصر، وتؤكد أنها ستظل دوماً واحة للأمن والتعاون، وصوتًا حكيمًا ينادي بالعدل والتنمية المستدامة لكل شعوب الأرض.