عاجل

الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد... تاريخٌ لا يحتاج إلى تعريف.

صباحٌ بدأ عاديًا... سماءٌ صافية... حركةٌ طبيعية في مدينة نيويورك... ثم، خلال ساعات قليلة، تغيّر المشهد.

أربعة طائرات مخطوفة... برجا مركز التجارة العالمي... مبنى وزارة الدفاع الأمريكية... وطائرة سقطت في ولاية بنسلفانيا.

ومنذ ذلك اليوم... لم يعد العالم كما كان.

لكن السؤال الذي بقي حيًا طوال سنوات... لم يكن فقط: من نفذ الهجوم؟... بل أيضًا: هل كانت هناك معلومات استخباراتية سبقت الأحداث؟.. وهل أخفقت أجهزة الأمن الأمريكية في التعامل معها؟ ... وهل استُخدمت أحداث سبتمبر لاحقًا لتبرير حروب وسياسات كبرى؟

.. ثم يظهر السؤال الأكثر إثارة للجدل... هل كان هناك دور إسرائيلي في الأحداث؟

في هذه الحلقة... لن نقدم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة النهائية.

بل سنقرأ ما لدينا من معلومات وشهادات وأسئلة... ونضعها في مواجهة ما أعلنته التحقيقات الرسمية.

أولاً: ما المعلومات التي كانت معروفًة قبل 11 سبتمبر؟

نبدأ من نقطة شديدة الأهمية... وهي الحديث عن وجود معلومات وتحذيرات استخباراتية سبقت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فالمؤكد أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية كانت تمتلك معلومات عن احتمال وقوع هجوم باستخدام طائرات تجارية، لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا: إذا كانت هناك مؤشرات وتحذيرات... فلماذا لم يتم منع الهجوم؟

وهنا يجب التفريق بين أمرين.

الأول... وجود معلومات أو تحذيرات عامة بشأن خطر إرهابي.

والثاني... امتلاك معلومات محددة وكافية تمكن الأجهزة من تحديد المكان والزمان والوسيلة والأشخاص المسؤولين.

وتشير لجنة 11 سبتمبر بالفعل إلى أن أجهزة أمريكية كانت تدرك أن أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة يمثلان خطرًا متزايدًا، وكانت هناك تقارير استخباراتية متراكمة حول احتمال وقوع هجمات داخل الولايات المتحدة، لكنها خلصت أيضًا إلى وجود إخفاقات في التجميع والتحليل والتنسيق والاستجابة.

أما الحقيقة... فتذهب أبعد من ذلك.

فهي ترى أن هناك أطرافًا داخل الإدارة الأمريكية كانت مهتمة مسبقًا بفكرة غزو العراق، وأن أحداث سبتمبر أصبحت لاحقًا مدخلًا سياسيًا واستراتيجيًا لتحقيق هذا الهدف.

وهنا يظهر سؤال آخر: هل كانت أحداث سبتمبر مجرد كارثة إرهابية؟

أم أنها تحولت لاحقًا إلى أداة لإعادة تشكيل السياسة الأمريكية والدولية؟

السؤال هنا لا يتعلق فقط بمَن ضغط على زر التنفيذ... بل بمن استفاد من تداعيات الحدث... وكيف تم توظيفه سياسيًا وعسكريًا بعد وقوعه.
ثانياً: الطيارون، التدريب، والمراقبة

من النقاط المؤكدة لدى الجميع ... أن عددًا من عناصر تنظيم القاعدة دخلوا إلى الولايات المتحدة وتدرب بعضهم على قيادة الطائرات تحت اشراف ومتابعة من المخابرات الامريكية ... فالقيادي محمد عطا، وغيره من عناصر التنظيم، تلقوا تدريبًا في مدارس الطيران بولاية فلوريدا... وأن الاستخبارات الأمريكية كانت تراقب تحركات بعض هؤلاء الأشخاص، وأن أماكن إقامتهم أيضاً كانت مجهزة بالمراقبة.

وبالتالي نطرح سؤالًا مباشرًا: إذا كانت الأجهزة تراقب هؤلاء الأشخاص بالفعل... فكيف تمكنوا من الوصول إلى مرحلة التنفيذ؟ ... وهل كانت المراقبة بقصد منع العملية؟ أم كانت بقصد جمع الأدلة وربط العملية بتنظيم القاعدة؟

لقد نجحت المخابرات الامريكية في اقناع العالم بوقوف عناصر القاعدة خلف تلك الاحداث من خلال بث مقاطع الفيديو التي تظهر عناصر القاعدة أثناء اجرائهم التدريب على الطيران وتحركاتهم داخل الولايات المتحدة الامريكية خلال تلك الفترة.

هذه هي الحقيقة بينما يأتي مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي ليقرر في عرضه الرسمي لملف 11 سبتمبر أن الخاطفين التسعة عشر كانوا مرتبطين بتنظيم القاعدة، وأن عددًا منهم تلقى تدريبًا على الطيران داخل الولايات المتحدة.

كما يذكر أن التحقيق بدأ فور وقوع الهجمات، وأن تحديد هوية الخاطفين تم خلال الساعات الأولى، قبل أن يتوسع التحقيق إلى شبكة الاتصالات والتمويل والمساعدة..إذن... هناك اتفاق على وجود تدريبات وتحركات سابقة.

لكن الخلاف يبدأ عند تفسير: كيف تعاملت أجهزة الاستخبارات مع هذه المعلومات؟ ... ومتى أدركت حجم الخطر؟ ... وهل كان الفشل نتيجة قصور مؤسسي؟... أم أن وراءه شيئًا أكثر تعقيدًا؟

ثالثاً: أسامة بن لادن والرواية الرسمية

بعد وقوع الهجمات... اتجهت أصابع الاتهام سريعًا إلى تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن.

وتذكر المادة الأصلية أن الحكومة الأمريكية اتهمت بن لادن دون أن تعلن للرأي العام، في البداية، جميع الأدلة التي قالت إنها تمتلكها.
كما تشير إلى تصريحات ونفي منسوب إلى بن لادن في الأيام الأولى.

ولكن نطرح سؤالًا: هل كانت الأدلة التي قدمت إلى الجمهور كافية؟

هنا يجب أن نذكر أن الرواية الرسمية تطورت بمرور الوقت.

فبحسب لجنة 11 سبتمبر، كان تنظيم القاعدة يمتلك، قبل سبتمبر 2001، قدرة تنظيمية واستخباراتية وتمويلية ولوجستية تؤهله لتخطيط عملية كبيرة داخل الولايات المتحدة، وخلص التقرير إلى أن خطة "عملية الطائرات" تبلورت داخل قيادة القاعدة قبل الهجمات.

كما يذكر مكتب التحقيقات الفيدرالي في عرضه التاريخي أن بن لادن اعترف لاحقًا بدوره في التخطيط للهجمات، وأن الخاطفين التسعة عشر كانوا مدربين من قبل القاعدة.

لكن الحقيقة التي لدينا ونناقشها اليوم... تتبنى قراءة مختلفة.

بينما الحقيقة تؤكد أن المخابرات المركزية الامريكية إدعت عثورها على شريط فيديو منزلي في افغانستان يلمح فيه بن لادن الى معرفته بالحادث قبل وقوعه خلال حديثه الى صديق سعودي ولكن الفيديو كان سيء لم تظهر فيه الصور بوضوح مما يثير العديد من الأسئلة – لم تكن صورة اسامه بن لادن فالصورة تظهر شبيه له. 

وهنا تكمن أهمية الفصل بين: الدليل... وتفسير الدليل.

فوجود تسجيل أو وثيقة أو شهادة لا يعني تلقائيًا أن التفسير الذي قُدم لها هو التفسير الوحيد الممكن.

وفي المقابل... مجرد وجود أسئلة أو تناقضات لا يكفي وحده لإثبات أن رواية بديلة أصبحت حقيقة نهائية.

وهذا تحديدًا هو الخط الفاصل الذي يجب ألا يضيع في أي نقاش تاريخي.

رابعاً: هل انهارت الأبراج بفعل الطائرات والنيران أم بمتفجرات؟

ربما تكون هذه أكثر النقاط إثارة للجدل.

فالحقيقة التي توصلت اليها معظم فرق الاستخبارات تؤكد أن الطائرات وحدها لا تكفي لتفسير انهيار برجي التجارة العالمي... وأن هناك من تحدث عن انفجارات داخل الأبراج... بل ويتجاوز ذلك إلى طرح فرضية استخدام متفجرات أو تفجيرات نووية... وهناك كتاب وباحثين وشهادات متعددة تؤكد هذه الرؤية.

لكن ماذا تقول التحقيقات الهندسية الرسمية؟

المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST... أجرى تحقيقًا تقنيًا واسعًا في انهيار البرجين.

وخلص إلى أن اصطدام الطائرتين أدى إلى إحداث أضرار هيكلية كبيرة، وإلى إزاحة مواد الحماية من الحرائق عن أجزاء من الفولاذ، ثم نشبت حرائق متعددة الطوابق أضعفت العناصر الإنشائية، حتى بدأت عملية الانهيار.

والأهم... أن NIST أعلن أنه لم يجد أدلة مؤيدة لفرضية الهدم المتحكم فيه بالمتفجرات بالنسبة للبرجين.

أما مبنى التجارة العالمي رقم سبعة... والذي يثير بدوره كثيرًا من الجدل... فقد خلص تحقيق NIST إلى أن الحرائق التي أعقبت انهيار البرج الأول أدت إلى أضرار حرارية وتمددات في العناصر الفولاذية، ثم إلى سلسلة انهيارات داخلية انتهت بالانهيار الكلي للمبنى.

وهكذا... نجد أنفسنا أمام روايتين: رواية علمية هندسية رسمية مضللة ... وروايات بديلة تشكك في تفسير الانهيار.

ولا ينبغي أن نخلط بين الاثنين... نحن نستطيع عرض الفرضية... وتقديم أصحابها... وطرح الأسئلة التي يثيرونها... لكن إثبات المسؤولية يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص المستقل.. وهو ما لا تقبل به الإدارة الامريكية.

خامساً: الشهادات والصور والأفلام

من بين العناصر التي بين ايدينا... شهادات لبعض الباحثين والشخصيات السابقة في الاستخبارات، وحديث عن أشخاص شوهدوا أو صوروا في نيويورك قبل الهجمات.

كما أن هناك تصريحات منسوبة إلى سوزان لينداور تشير خلالها الى توقع هذه الهجمات منذ شهور، بينما كان الإسرائيليون يعلمون ذلك جيداً، لقد صور جهاز الموساد الإسرائيلي شريط فيديو لارتطام الطائرة بالبرج الأول وسٌلم التسجيل لكبار مسئولي الاستخبارات الأمريكية بسرعة ليكون جاهزاً للعرض قبل انهيار البرج الثاني، لقد فعل الموساد ذلك ليقول للشعب الأمريكي أنه كان على علم سابق بتلك الهجمات، ولكن لماذا لم يعلنوا ذلك.

ثم تنتقل إلى نقطة أخرى أكثر غرابة... وهي الأفلام الأمريكية التي سبقت سبتمبر 2001، والتي تضمنت مشاهد أو إشارات تشبه ما حدث لاحقًا في نيويورك.

هل يمكن أن تكون السينما قد عرفت مسبقًا؟

أم أن الأعمال الفنية تستند بطبيعتها إلى المخاوف والسيناريوهات التي تفرض نفسها على الخيال الشعبي؟

هذه نقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر... لأن التشابه بين عمل فني وحدث حقيقي... لا يعني بمفرده وجود معرفة مسبقة.

وفي الوقت نفسه... فإن وجود مثل هذه المواد يصبح جزءًا من التاريخ الثقافي الذي أحاط بأحداث سبتمبر.

المشكلة ليست في السؤال... بل في القفز من السؤال إلى النتيجة دون المرور بالأدلة.

سادساً: المصالح والتأمين والتحذيرات السابقة

كما أن هناك من الحقائق ما يشير الى المصالح المالية والإجراءات الأمنية التي سبقت الهجمات.

فرجل الأعمال اليهودى لاري سيلفرشتاين استأجر برجي التجارة العالمي في يوليو عام 2001 أي قبل وقوع الهجمات بشهرين فقط ولمدة طويلة، ووقع عقود التأمين بمبالغ كبيرة جداً ومع شركات أجنبية "يابانية" ليس من بينها اى شركة أمريكية، وأن العقد تضمن تأمينًا كبيرًا ضد الهجمات الإرهابية.. كما ورد على لسان سوزان لينداور بما يؤكد وجود علم مسبق بالهجمات لدى عناصر استخبارات ورجال اعمال أمريكيين وإسرائيليين، وتكبدت شركات التأمين اليبانية خسائر فادحة، حيث دفعت لرجل الأعمال اليهودى لاري سيلفرشتاين قيمة التأمين بالكامل والتى بلغت ( 4 تلريونات دولار).

كما وقعت عمليات شراء وبيع أسهم مرتبطة بشركات الطيران في الأيام السابقة للهجمات.

أيضًا تم سحب كلاب الكشف عن المتفجرات من الأبراج... وعمل تغييرات في إجراءات الحراسة... وتلقى بعض المسؤولين تحذيرات قبل 11 سبتمبر.

تحدث الناجون عن انفجارات كانت تحدث داخل الأبراج، الا أن التحقيقات الرسمية تجاهلت ذلك.

كما تضيف المعلومات بتلقى اليهود تحذيراً بعدم التوجه الى برجى التجارة في ذلك اليوم.

هذه التفاصيل... هي بالتأكيد من أكثر النقاط التي يمكن أن تثير انتباه القارء.

لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى التدقيق في مصدر كل واقعة... وتاريخ الوثيقة... وسياقها... والفرق بين الوقائع الثابتة وبين تفسيرها.
فوجود وثيقة تأمين ضد الإرهاب ووجود عمليات تداول في أسهم شركات قبل حدث كبير وكذلك... حدوث تغيير في الإجراءات الأمنية،.. لكن هذه الأسئلة تظل جزءًا من النقاش... وتحتاج إلى دراسة مستقلة لكل واقعة على حدة... فأحداث سبتمبر هي الحدث الذى افتعله المحافظين الجدد ليكون منطلقاً لتنفيذ مخططهم تجاه منطقة الشرق الأوسط خاصة فيما يتعلق بالعراق وأفغانستان.

سابعاً: ما الذي تغير بعد 11 سبتمبر؟

ربما يكون السؤال الأهم... ليس فقط: ماذا حدث في صباح الحادي عشر من سبتمبر؟.. ولكن: ماذا حدث للعالم بعده؟

لقد تحولت الهجمات خلال فترة قصيرة إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة في السياسة الأمريكية.

حرب في أفغانستان...ثم الحرب في العراق... وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية... وتغييرات واسعة في قوانين وإجراءات مكافحة الإرهاب.

وقد تحولت مكافحة الإرهاب إلى أحد المحاور الرئيسية للسياسة الأمريكية الداخلية والخارجية خلال السنوات التالية:

وتشير سجلات الأرشيف الوطني الأمريكي إلى أن لجنة 11 سبتمبر أُنشئت من أجل تقديم حساب كامل للظروف التي أحاطت بالهجمات، والاستجابة لها، وتقديم توصيات لمنع تكرارها.

وهنا يصبح السؤال سياسيًا وتاريخيًا في آن واحد: هل كانت السياسات التي أعقبت سبتمبر مجرد استجابة أمنية لحدث استثنائي؟

أم أن الحدث استُخدم أيضًا لتمرير تحولات كانت موجودة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي مسبقًا؟

المادة الأصلية والحقائق تميل بوضوح إلى التفسير الثاني.

لكن الإجابة على هذا السؤال تتطلب قراءة الوثائق والسياسات والقرارات التي سبقت سبتمبر وتلتها... ومقارنة ما قيل وقتها بما حدث فعليًا.

الحادي عشر من سبتمبر... لم يكن مجرد يومٍ في التقويم...كان نقطة تحول في التاريخ الحديث.

وبعد خمسة وعشرين عامًا... ما زالت الأسئلة حاضرة...هناك رواية رسمية... وهناك روايات بديلة تشكك في جوانب منها... هناك شهادات... وهناك وثائق... وهناك تفسيرات متعارضة.

لكن بين كل هذه الروايات... تبقى قاعدة واحدة: السؤال مشروع... لكن الإجابة تحتاج إلى دليل.

قد تتغير التفسيرات عبر الزمن... وقد تظهر وثائق جديدة... وقد تُعاد قراءة أحداث قديمة من زاوية مختلفة.

لكن التاريخ لا يُحسم بقوة الصوت... ولا بكثرة التكرار... ولا بدرامية القصة...بل... بالوثيقة... وبالشهادة القابلة للتحقق... وبالدليل الذي يستطيع الآخرون فحصه ومراجعته.

ويبقى السؤال: كيف وقعت تلك الاحداث؟ .. ولماذا؟ .. ومن الذي استفاد من نتائجه؟

في الحلقة القادمة: "دور تنظيم القاعدة في أحداث 11 سبتمبر 2001"

تم نسخ الرابط