النائب محمد رزق: البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يضع الإنتاجية والاستثمار الخاص في قلب معادلة النمو المستدام
أكد الدكتور محمد رزق، عضو مجلس الشيوخ المصري، أن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي الذي أعلن الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، ملامحه الرئيسية، يطرح مسارًا مهمًا لإعادة توجيه أولويات الاقتصاد المصري نحو زيادة الإنتاجية وتعزيز الاستثمار الخاص وتحسين كفاءة تخصيص الموارد، بما يدعم الانتقال من مرحلة تثبيت الاستقرار الاقتصادي إلى مرحلة بناء نمو أكثر استدامة وقدرة على توفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.
وأوضح رزق أن المستهدفات المعلنة، وفي مقدمتها رفع معدل النمو الاقتصادي إلى 6.8% بحلول العام المالي 2029/2030، وخفض التضخم إلى 7% والبطالة إلى 5.5%، تعكس ترابط الملفات الاقتصادية الرئيسية، مؤكدًا أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين السياسات المالية والنقدية والإنتاجية والاستثمارية، بحيث لا يتحقق تحسن في أحد المؤشرات على حساب المؤشرات الأخرى، وإنما من خلال نموذج نمو متوازن يرفع القدرة الإنتاجية ويعزز استقرار الأسعار ويوسع فرص التشغيل.
وأشار رزق إلى أن جوهر التحول الاقتصادي لا يتمثل في زيادة معدلات النمو وحدها، بل في طبيعة هذا النمو ومصادره ومدى انعكاسه على الاقتصاد الحقيقي. فالنمو الذي يستند إلى توسع الإنتاج والاستثمار والتكنولوجيا وارتفاع إنتاجية العامل يختلف في أثره واستدامته عن النمو الذي يعتمد على زيادة الطلب دون توسع موازٍ في القدرات الإنتاجية، وهو ما يجعل دعم القطاعات القابلة للتصدير وتعميق التصنيع المحلي وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد من الأولويات التي ينبغي أن تتصدر تنفيذ البرنامج.
وأضاف أن اختيار الزراعة والصناعات التحويلية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والطاقة ضمن القطاعات المستهدفة يعكس أهمية توجيه الموارد نحو الأنشطة التي تمتلك فرصًا أوسع لخلق القيمة المضافة وتوسيع قاعدة الإنتاج. ولفت إلى أن هذه القطاعات تمثل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي وتسهم بنحو 50% من معدل النمو الحقيقي وفقًا للبيانات المعلنة، بما يمنحها دورًا محوريًا في تسريع النمو، بشرط تطوير الروابط الإنتاجية بينها وزيادة المكون المحلي وتعزيز قدرتها على جذب الاستثمارات وتوليد تدفقات نقدية من الأسواق الخارجية.
وأكد رزق أن القطاع الخاص يمثل عنصرًا حاسمًا في نجاح هذا المسار، في ضوء مساهمته بنحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي و58% من الاستثمارات الكلية، وتوفيره فرص عمل لنحو 27 مليون شخص وفقًا للأرقام الواردة في البرنامج. وأوضح أن تمكين القطاع الخاص لا ينبغي أن يقتصر على زيادة حصته من الاستثمارات، بل يجب أن يشمل رفع كفاءة استثماراته، وتوجيهها نحو أنشطة إنتاجية وتصديرية، وتحسين قدرته على التوسع والتشغيل، مع تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص على أساس وضوح الأدوار وتكافؤ الفرص والمنافسة العادلة.
وشدد على أن الإصلاحات التشريعية والمؤسسية تمثل الاختبار العملي لقدرة البرنامج على إحداث تغيير ملموس في مناخ الأعمال، خاصة مع استهداف تنفيذ 185 إجراءً أساسيًا ضمن أربعة محاور و40 مستهدفًا، تشمل 20 إصلاحًا تشريعيًا و25 إصلاحًا مؤسسيًا. وأكد ضرورة أن ترتبط هذه الإجراءات بآليات تنفيذ محددة ومسؤوليات مؤسسية واضحة، إلى جانب قياس دوري لمدى تأثيرها في تقليص زمن تأسيس المشروعات، وتيسير التراخيص، وتحسين النفاذ إلى التمويل، وخفض الأعباء الإجرائية التي قد تعطل التوسع في الأنشطة الإنتاجية.
ولفت رزق إلى أن خفض التضخم إلى 7% يمثل مستهدفًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى المواطن والقطاع الخاص على حد سواء، إذ يسهم استقرار الأسعار في حماية القوة الشرائية للأسر وتحسين القدرة على التخطيط المالي، كما يساعد الشركات على تقدير تكاليف الإنتاج والتسعير والاستثمار بدرجة أكبر من الوضوح. وأكد أن تحقيق هذا المستهدف بصورة مستدامة يتطلب دعم المعروض المحلي من السلع والخدمات، وتحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع، وتعزيز المنافسة، إلى جانب استمرار التنسيق بين السياسات الاقتصادية المختلفة.
وأضاف أن تقليص البطالة إلى 5.5% يستدعي التركيز على نوعية فرص العمل وليس عددها فقط، من خلال ربط برامج التدريب والتعليم الفني باحتياجات القطاعات المستهدفة، وتطوير المهارات الرقمية والتكنولوجية، وتشجيع المشروعات كثيفة التشغيل والقادرة على توفير وظائف مستقرة ومنتجة. كما أكد أهمية منح المشروعات الصغيرة والمتوسطة مساحة أكبر داخل المنظومة الإنتاجية، باعتبارها حلقة مهمة في توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل في المحافظات المختلفة.
وأوضح عضو مجلس الشيوخ أن نجاح البرنامج يتطلب منظومة متابعة تتجاوز قياس معدلات النمو والتضخم والبطالة، لتشمل مؤشرات الإنتاجية والاستثمار الخاص والصادرات ونسبة المكون المحلي وحجم الوظائف الجديدة، بما يتيح تقييم الأثر الفعلي للإصلاحات وتعديل السياسات عند الحاجة. فوضوح المؤشرات وشفافية المتابعة يساعدان على تعزيز الثقة بين الحكومة ومجتمع الأعمال، ويمنحان المستثمرين رؤية أفضل لاتجاهات الاقتصاد وفرص التوسع فيه.
واختتم الدكتور محمد رزق بالتأكيد على أن البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي يمثل فرصة لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على الانتقال إلى مرحلة أكثر اعتمادًا على الإنتاج والتنافسية والاستثمار الخاص، مشيرًا إلى أن المعيار الأهم لنجاحه هو تحويل المستهدفات الكلية إلى تحسن ملموس في دخول المواطنين وفرص العمل وكفاءة الأسواق وقدرة المنتجات المصرية على المنافسة. وأكد أن بناء اقتصاد قوي ومستدام يتطلب تكامل الإصلاحات المؤسسية مع الاستثمار في الإنسان والإنتاج والتكنولوجيا، بما يرسخ أسس النمو طويل الأجل ويعزز قدرة الاقتصاد على التعامل مع المتغيرات والتحديات الإقليمية والدولية.