
في نوفمبر من عام ١٩٩٨ تعرضت لحادث سيارة كبير قلب حياتي رأسًا على عقب ؛ كانت الإصابة في ساقي اليسرى بالغة واستدعت إجراء عملية جراحية كبيرة تم خلالها تركيب شريحة وعدد من المسامير وبعدها بدأت رحلة طويلة مع العلاج الطبيعي امتدت لأكثر من ستة أشهر كنت أحاول خلالها أن أستعيد شيئًا من حياتي التي توقفت فجأة.
ستة أشهر كاملة كانت كفيلة بأن تجعل الإنسان يختبر معنى العزلة بكل تفاصيله ..
كنت حبيس البيت أراقب العالم من بعيد وأشعر أن الإصابة لم تعد في ساقي وحدها وإنما بدأت تمتد إلى روحي أيضًا ؛ شيئًا فشيئًا أصبت بحالة من الاكتئاب، وصار الخروج من البيت حلمًا.
وفي الشهر الأخير من رحلة العلاج كنت قد بدأت أتحرك بعكاز واحد فلم أكن قد تعافيت تمامًا لكنني استطعت أن أستعيد قدرًا من الحركة ؛ وقتها سمح لي والدي بقيادة سيارته الـ«سكاي بارك» الأوتوماتيك كي أخرج من البيت وأتنفس قليلًا بعد شهور الحبس الطويلة.
وفي إحدى الليالي توجهت إلى منزل صديقي وزميل دفعتي في المعهد العالي للسينما الفنان خالد سرحان وكان الهدف بسيطًا: أن نجلس ونلعب الكوتشينة.
لكن صديقنا السيناريست حمدي يوسف كان موجودًا معنا وهو لا يحب لعب الكوتشينة فأجبرنا على التوقف والجلوس معًا نتجاذب أطراف الحديث.
كنت وقتها على وشك التخرج من المعهد العالي للسينما، قسم السيناريو وكان يشغلني مشروع التخرج الذي يكمن في كتابة سيناريو فيلم سينمائي طويل.
قلت لهما إنني فكرت في أكثر من موضوع لكنني لم أكن مقتنعًا بأي منها والأهم أنني فقدت الشغف.
نظر حمدي إلى خالد نظرة ذات معنى ثم قال:
«إيه رأيك نقوله فكرة سيد سبرتو؟!»
استغربت الاسم بينما أشار خالد بالموافقة.
فاستطرد حمدي:
«أنا والسرحان مألفين قصة حلوة ممكن تنفعك بس لو هتكتبها سيناريو تحط أسامينا على القصة.»
وافقت فورًا وكنت متشوقًا لمعرفة ما هي حكاية «سيد سبرتو».
قال حمدي:
«سيد سبرتو جارد في كباريه في شارع الهرم أصيب بالعَمى بعد ما تناول نوع خمرة مغشوشة فنقلوه دار مكفوفين… حلو؟»
قلت:
«حلو.»
تابع:
«الدار ده في شارع صلاح سالم… حلو؟»
«حلو.»
تدخل خالد فجأة:
«مجموعة إرهابيين كانوا راصدين الدار ده عشان يحتلوه في يوم… ويعملوا إيه؟»
قلت باستغراب:
«يعملوا إيه؟!»
قال:
«يغتالوا رئيس الجمهورية وهو معدي بالموكب.»
هنا تدخل حمدي مجددًا وسأل:
«يقوم مين اللي ينقذ رئيس الجمهورية من محاولة الاغتيال؟»
أجبت وقد بدأت الفكرة تعجبني:
«سيد سبرتو.»
ابتسم حمدي وقال:
«عليك نور… اشتريت؟!»
لم أجب وسرحت بخيالي للحظات ثم نهضت مستأذنًا ..
وأنا أقود السيارة في منتصف الليل أدركت شيئًا مهمًا: هذه الفكرة ليست مشروع تخرجي إنها نواة أول فيلم سينمائي أكتبه ككاتب محترف ؛ ومن دون تفكير طويل توجهت إلى مقهى «بنت السلطان» الواقع أسفل سكن الأستاذ عادل إمام الذي كان يتخذه مقرًا له كل ليلة.
ومن الخارج رأيت الزعيم منهمكًا في لعب الطاولة مع الرسام الكبير مصطفى حسين رحمه الله فركنت السيارة ودخلت مستندًا إلى عكازي.
رحب بي عادل إمام بفرحة حقيقية وكأنه سعيد لأنني خرجت أخيرًا من محبسي بعد شهور الإصابة وأمر بإحضار كرسي إلى جواره ثم عاد إلى الطاولة.
اقتربت من أذنه وهمست:
«أعمى ينقذ رئيس الجمهورية من محاولة اغتيال.»
ترك الطاولة والتفت إليّ:
«مين ده؟»
أجبته بثقة وكأن الشخصية أصبحت مكتملة في رأسي:
«رائد طيار سعيد المصري اللي فقد بصره في حرب أكتوبر وعاش عمره في دار المكفوفين اللي الإرهابيين بيحتلوه عشان يضربوا موكب الريس!»
نظر إليّ للحظات ثم قال:
«ده فيلمي اللي جاي.»
لم أكن أعرف وقتها أن الجملة التي قلتها في منتصف الليل وأنا مستند إلى عكازي ستتحول إلى فيلم سينمائي يشاهده الجمهور ومن تلك اللحظة بدأت رحلة «أمير الظلام».
الفيلم الذي كانت قصته في البداية مجرد فكرة ألقاها حمدي يوسف وخالد سرحان في جلسة أصدقاء ثم تحولت إلى سيناريو كتبته مع عبد الفتاح البلتاجي، وأصبح عادل إمام هو «سعيد المصري» الرجل الذي فقد بصره لكنه لم يفقد قدرته على رؤية الحقيقة.
وهكذا، ربما للمرة الأولى لم تكن السينما مجرد مهنة أتعلمها في المعهد وانما كانت السينما هي التي أنقذتني من عزلتي ؛ فبعد حادث أوقف خطواتي وعكاز رافقني في أولى خطوات العودة إلى الحياة وفترة ظننت خلالها أنني فقدت شغفي بالكتابة جاءت حكاية رجل أعمى لينقذ رئيس الجمهورية…
وفي الحقيقة ربما كان «سيد سبرتو» هو الذي أنقذني أنا أيضًا.
ومن تلك الليلة، بدأت الحكاية التي انتهت بفيلم اسمه:
«أمير الظلام» قصة خالد سرحان وحمدي يوسف وسيناريو وحوار تامر عبد المنعم وعبد الفتاح البلتاجي وإخراج رامي إمام .