رغم ما يموج به العالم من صراعات وحروب وتحديات سياسية واقتصادية، بدأت مناقشات جادة حول التحول العلمي الأهم، ومستقبل البشرية في ظل وجود الذكاء الاصطناعي. وقد ظهرت مخاوف عديدة من اختفاء وظائف واستبدال البشر بالذكاء الاصطناعي، مع التطور المتسارع فيه ومنافسة مطوريه على تطوير أدواته وقدراته.
دفع اتساع نطاق المخاوف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى عقد جلسة الشهر الماضي، حضرها عدد من شركات الذكاء الاصطناعي لبحث مخاطره وتأثيره على البشر. وأريد أن أتوقف أمام حديث سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، عن التطور الحادث في مجالات عديدة، مثل الطب والهندسة، وما سيعود به على البشرية من فوائد.
يتجاوز كلام ألتمان وغيره من مطوري الذكاء الاصطناعي الجانب السلبي المعروف، وينطلق إلى إيجابيات الذكاء الاصطناعي في حياتنا. فهو، بلا شك، يختصر ــ خاصة في الدول النامية ــ الفجوة المعرفية الواسعة مع الدول المتقدمة، ويوفر إمكانات هائلة في مجالات عديدة. وهذا ما أتابعه بالفعل، خاصة في المجال الطبي، حيث تساعد هذه التقنيات الأطباء حاليًا على تحليل الصور والبيانات الطبية، والتخطيط للجراحات، وتوجيه الأدوات بدقة أكبر أثناء العمليات، ولا يعني ذلك أن الروبوت يجري الجراحة بمفرده؛ فالجرّاح يظل صاحب القرار والمتحكم في الأدوات، بينما توفر له التقنية دعمًا قد يعزز الدقة ويساعد على تقليل بعض المخاطر، كما يسهم الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى، مثل تحليل الأشعة للكشف عن الأورام، ومتابعة أمراض العيون، ودعم اكتشاف الأدوية وتخصيص العلاج.
ولا يقتصر هذا التحول على الطب؛ إذ ينتقل بسرعة إلى مجالات أخرى، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمعرفة والعمل، ومن هنا يبرز سؤال قد يبدو استشرافيًا الآن، لكنه مرشح لأن يصبح أحد أسئلة المستقبل الملحة: هل يصبح عدم الإلمام بالذكاء الاصطناعي أحد معايير الأمية الجديدة؟ وهل يكون الإلمام به جزءًا من السيرة الذاتية لمن يتقدم لشغل الوظائف، وأحد محفزات الترقي في العمل؟
والمقصود بالإلمام بالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على فتح تطبيق أو استخدام أداة، بل فهم ما يمكن أن تقدمه، والتحقق من مخرجاتها، ومعرفة حدودها، وتوظيفها بمسؤولية في الحياة والعمل، وهذا سؤال تفرضه تحولات سوق العمل، وتغير طرق إنتاج المعرفة، واتساع المسافة بين من يمتلك القدرة على توظيف التكنولوجيا في حياته ومهنته، ومن يقف عاجزًا عن فهمها أو الاستفادة منها.
وتقدم التقارير الدولية شواهد على حجم التحول الحاصل في سوق العمل. فتقرير «مستقبل الوظائف 2025»، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، يتوقع أن 59 من كل 100 عامل سيحتاجون إلى التدريب أو إعادة التأهيل خلال الأعوام القادمة، كما يشير «مؤشر وظائف الذكاء الاصطناعي العالمي 2025» إلى أن 56% من وظائف المستقبل تتطلب الإلمام بمهارات الذكاء الاصطناعي .
أرى أن هذا التطور طبيعي جدًا، خاصة أن الترقي في الوظائف يحتاج دائمًا إلى تركيز الإنسان على تطوير نفسه، واستخدام الأدوات الجديدة في تحسين أدائه، وإنتاج قيمة مضافة يصعب تحقيقها بالوسائل التقليدية وحدها، كما تكشف هذه المؤشرات أمرًا أهم، وهو أن الشخص الذي لا يعرف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي قد يفقد فرصًا للتعلم والإنتاج كان يمكن أن يستفيد منها.
ووصل هذا النقاش العالمي إلى مصر، وانعكس في محاور الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي للفترة 2025–2030، التي تتضمن تنمية القدرات البشرية، وتطوير التعليم والتدريب المهني، وتعزيز استخدام التكنولوجيا في القطاعات المختلفة. كما أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في أبريل 2025، اتفاقًا مع مايكروسوفت يستهدف بناء قدرات 100 ألف من الشباب والعاملين الحكوميين في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وتمثل هذه الخطوات بداية مهمة، ويظل من المفيد متابعة أثرها العملي على التدريب وفرص العمل والخدمات.
تتحرك الحكومة، لكن المجتمع لا يزال يتحسس الطريق، في ظل وجود حالة من التردد والترقب تجاه استخدام الذكاء الاصطناعي وأهميته في سوق العمل، ومجالات مساهمته في تطوير قدرات العاملين في مجالات عديدة.
وتعكس خطوات الحكومة إدراكًا لأهمية بناء القدرات البشرية، لكن التحدي الأكبر يتمثل في توسيع نطاق الاستفادة من هذه الجهود، وربط التدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية، وقياس أثره في الإنتاجية وفرص التوظيف وجودة الخدمات.
وبحسب بيانات وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت في مصر 72.2% وفق مسح 2022/2023. لكن التوزيع النوعي للمهارات يكشف مفارقة حاسمة: فمن بين مستخدمي الإنترنت في مصر عام 2022، كان 58.3% يملكون مهارات أساسية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، و14.9% يملكون مهارات متوسطة، بينما لم تتجاوز نسبة من يملكون مهارات متقدمة 1.8%، أي إن الغالبية العظمى ممن يستخدمون الإنترنت يمتلكون مهارات تكفي للاستهلاك، لا للإنتاج أو التحليل أو التعامل النقدي مع الأنظمة الذكية، وهذه هي بالضبط المنطقة التي تنشأ فيها «أمية الذكاء الاصطناعي» وهى المسافة بين من يستطيع فتح تطبيق، ومن يستطيع تقييم مخرجاته واستخدامها بوعي.
إذن، نحن لا نحتاج فقط إلى إعداد عدد أكبر من المتخصصين القادرين على تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، وإنما نحتاج أيضًا إلى طبيب يعرف كيف يوظفها في تحليل المعلومات الطبية مع الالتزام بالضوابط المهنية، وباحث يستطيع استخدامها في البحث والتحليل دون التفريط في التحقق من المعلومات، ومعلم يجعلها أداة للتعلم لا بديلًا عن الفهم، ومحاسب يرفع بها كفاءة عمله، وموظف حكومي يستفيد منها في تحسين الخدمة العامة مع الحفاظ على سرية البيانات وتحمل المسؤولية عن القرار.
وثمة خطأ ينبغي تجنبه عند الحديث عن وظائف المستقبل، وهو تصوير العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي باعتبارها معركة حتمية تنتهي بانتصار الآلة وخسارة البشر، فالتأثير الفعلي يختلف بين المهن والقطاعات، وقد تؤدي التكنولوجيا إلى إنجاز كثير من المهام، وتعزيز قدرات العاملين، وخلق احتياجات مهنية جديدة، وتجسير فجوة معرفية تعمقت مع مرور الزمن.