د. محمد طلعت: التحول الذي شهدته منظومة الطاقة في مصر خلال السنوات الماضية يعكس توجهًا استراتيجيًا لإعادة بناء مقومات القوة الاقتصادية
أكد الدكتور المهندس محمد طلعت، عضو أمانة علاقات العمل المركزية بحزب مستقبل وطن، أن التحول الذي شهدته منظومة الطاقة في مصر خلال السنوات الماضية يعكس توجهًا استراتيجيًا لإعادة بناء مقومات القوة الاقتصادية، في ظل رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي التي وضعت تأمين مصادر الطاقة وتطوير بنيتها الأساسية ضمن الأولويات الرئيسية للدولة، باعتبارهما شرطًا أساسيًا لاستدامة التنمية وتعزيز قدرة الاقتصاد على الإنتاج والتوسع.
وأوضح طلعت أن ما جرى استعراضه خلال جلسة «مسيرة الطاقة المصرية.. إنجازات وطنية وآفاق المستقبل»، ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، يعكس حجم الجهد الذي بذلته الدولة منذ عام 2014 لتجاوز التحديات التي واجهت قطاع الطاقة، من خلال تطوير قدرات توليد الكهرباء، وتحديث شبكات النقل والتوزيع، وتعزيز كفاءة البنية الأساسية، إلى جانب العمل على تنويع مصادر الطاقة والتوسع في المشروعات المرتبطة بالطاقة الجديدة والمتجددة، بما يدعم استقرار الإمدادات ويهيئ الاقتصاد لاستيعاب احتياجاته المتنامية.
وأشار إلى أن الرؤية التي تبنتها الدولة في هذا الملف تجاوزت مفهوم التعامل مع الطاقة باعتبارها خدمة أساسية، لتضعها في إطار أوسع يرتبط بتنافسية الاقتصاد وقدرته على جذب الاستثمارات وتعزيز الإنتاجية، موضحًا أن توافر الطاقة بصورة مستقرة يمثل أحد المحددات الرئيسية لقرارات المستثمرين، كما يؤثر بصورة مباشرة في تكلفة التشغيل والتوسع الصناعي والعمراني، وقدرة المشروعات على تحقيق عوائد مستدامة.
وأضاف أن أهمية الاستثمارات التي جرى توجيهها إلى البنية الأساسية للطاقة تتجلى في كونها توفر قاعدة تشغيلية تدعم مختلف القطاعات الاقتصادية، لافتًا إلى أن إنشاء محطات التوليد وتطوير الشبكات القومية ومنظومات التحكم والتوزيع يتطلب تخطيطًا طويل الأجل واستثمارات ضخمة، لا تتوقف عند تكلفة الإنشاء، بل تمتد إلى التشغيل والصيانة ورفع الكفاءة ومواكبة الزيادة في الطلب. ومن ثم، فإن تقييم أداء هذا القطاع ينبغي أن يأخذ في الاعتبار حجم المنظومة المتكاملة اللازمة لتوفير الطاقة وضمان استمرارية الإمدادات.
وأكد طلعت أن المصارحة التي شهدتها جلسة الرئيس السيسي بشأن التحديات التمويلية والضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا تبرز أهمية الإدارة المتوازنة للموارد، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر في أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد. وأوضح أن هذه المتغيرات تفرض تحديات حقيقية على الموازنات العامة وتكاليف الإنتاج، الأمر الذي يستدعي مواصلة تطوير سياسات الطاقة بما يحقق التوازن بين تأمين الاحتياجات، وحماية النشاط الاقتصادي، والحد من الأعباء الإضافية على المواطنين والدولة.
ولفت إلى أن التوسع في مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة يمثل خطوة محورية في بناء منظومة أكثر مرونة واستدامة، إذ يتيح تنويع مزيج الطاقة وتقليل التعرض لتقلبات الأسواق الدولية، فضلًا عن دعم التحول نحو أنماط إنتاج أكثر كفاءة. وشدد على أهمية استكمال الاستثمارات في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالتوازي مع تطوير الشبكات القومية وقدرات التحكم والتشغيل، بما يسمح باستيعاب القدرات الجديدة وتحقيق الاستفادة الاقتصادية القصوى منها.
ومن منظور هندسي وتنموي، أوضح طلعت أن كفاءة البنية الأساسية للطاقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بجودة التخطيط العمراني واستدامة المدن الجديدة، مؤكدًا أن نجاح المجتمعات العمرانية لا يُقاس فقط بحجم الإنشاءات أو عدد الوحدات التي يتم تنفيذها، وإنما بقدرتها على العمل بكفاءة وتوفير الخدمات واستقطاب الأنشطة الاقتصادية والسكانية. وأضاف أن توافر الطاقة واستقرارها يمثلان عنصرين حاسمين في تشغيل المناطق الصناعية والتجارية والإدارية، ورفع القيمة الاستثمارية للمشروعات، وتعزيز قدرة المدن على التحول إلى مراكز منتجة وليست مجرد تجمعات عمرانية.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في مشروعات الطاقة، بما يسهم في جذب التمويلات والخبرات والتكنولوجيا الحديثة، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز قدرة الشركات على المشاركة في تنفيذ خطط التنمية. كما أكد أن ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة استخدام الطاقة داخل المنشآت والمشروعات يمثلان مسارًا موازيًا لا يقل أهمية عن زيادة القدرات الإنتاجية، نظرًا لدورهما في تقليل الهدر وتحسين اقتصاديات التشغيل.
وشدد عضو أمانة علاقات العمل المركزية بحزب مستقبل وطن على ضرورة الربط بين الاستثمارات في قطاع الطاقة وأهداف زيادة الإنتاج والتشغيل، بحيث تنعكس التطورات في البنية الأساسية على توسيع القاعدة الصناعية، وتحسين تنافسية المنتجات المصرية، وخلق فرص عمل مستدامة، مشيرًا إلى أن تعظيم العائد الاقتصادي من هذه الاستثمارات يمثل أولوية خلال المرحلة المقبلة، بالتوازي مع مواصلة تطوير المنظومة وتأمين احتياجاتها المستقبلية.
واختتم الدكتور المهندس محمد طلعت تصريحه بالتأكيد على أن ما شهدته مصر في قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية أسس لمرحلة جديدة من إدارة العلاقة بين البنية الأساسية والإنتاج والتنمية، مشيرًا إلى أن الرهان لم يعد مقتصرًا على توفير الطاقة، بل يمتد إلى تحويلها إلى ميزة تنافسية تدعم الصناعة والاستثمار والتنمية العمرانية. وأكد أن استمرار العمل وفق رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط الاستراتيجي والتطوير الهندسي وكفاءة التشغيل والشراكة الاستثمارية سيعزز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة المتغيرات العالمية، ويضمن توظيف ما تحقق من إنجازات في بناء قاعدة إنتاجية أكثر قوة واستدامة.