تُعدّ العلاقات المصرية السودانية نموذجاً فريداً لروابط تاريخية واجتماعية واستراتيجية وجغرافية متجذرة عبر التاريخ. وفي ظل تشابك الأزمات الإقليمية وتضارب التحالفات في السودان والقرن الأفريقي، أُديرت هذه الروابط من قِبل أديس أبابا عبر 'معركة تأطير إعلامي' مُغرضة، وظفت كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية مرتبطة بالتنافس الإقليمي على حوض النيل والقرن الأفريقي.
يُقصد بـ "التأطير الإعلامي" تسليط الضوء على زوايا محددة من الواقع وإخفاء أخرى لتوجيه القارئ نحو موقف سياسي مُحدد. وفي هذا السياق، تُشكّل هذه الآلية -عبر خلق "سردية مضادة- ركناً أساسياً في الخطاب الإثيوبي الرسمي، وهو طرح غير وليد اللحظة بل امتداد لسردية تاريخية متجذرة تعود لأدبيات إثيوبية مدونة بأقدم لغاتها وهى "الجعزية" وتتداول حاليًا عبر منصاتها بلغاتها الحديثة الأمهرية وغيرها. وتهدف تلك الأدبيات والمنصات الحالية الإثيوبية إلى تأصيل الخطاب العدائي، الذي يُصوّر مصر وحضورها الاستراتيجي بـامتداد للوصاية الاستعمارية" أو "تأجير للصراعات"، نافية عنها حضورها التاريخي الممتد.
تسعى هذه الورقة إلى تفكيك كيفية توظيف الإعلام الإثيوبي لهذا التأطير الممنهج حول الروابط بين دولتي المصب، من خلال تسليط الضوء على عدة محاور وأبعاد رئيسة تُوظّفها أديس أبابا لتحقيق مكاسب جيوسياسية. وتبرز الورقة تساؤل رئيس مفاده: كيف يُوظّف الخطاب الإثيوبي مفهوم التأطير لإعادة تشكيل الانطباع العام حول التحركات المصرية في السودان؟ وما أبرز عناصر هذا التأطير ودوافعه الاستراتيجية الحقيقية؟
سردية العقلية الاستعمارية وحروب الوكالة كغطاء للتحركات الإثيوبية
يُصرّ الخطاب الإعلامي والرسمي في أديس أبابا، عبر التصريحات الحكومية والمنصات الموجهة -كوكالة الأنباء الإثيوبية (ENA) وشبكة إعلام أديس أبابا المعروف بشعاره صوت الجيل وغيرهما-على تصوير أي تحرك مصري تجاه السودان أو ملف المياه بوصفه امتداداً لـ "عقلية وصاية استعمارية تاريخية". ويهدف هذا الطرح إلى نزع الشرعية عن الدور المصري، وتقديمه للرأي العام كطرف يسعى للاستبداد بالقرار الإقليمي وعرقلة قيام حكومة مستقلة وقوية في الخرطوم.
يحاول الإعلام الإثيوبي جاهدًا تشويه دور مصر الاستراتيجي، وتسليط الضوء على مصطلحات بعينها نحو"حروب الوكالة" في القارة الإفريقية، واتهامات موجهة بدعم المعارضة المتمردة في إقليم تيجراي والمناطق الحدودية. ويُستغل هذا الاتهام كغطاء لإخفاء دور أديس أبابا الفعلي في استغلال الحرب السودانية لتسهيل انطلاق مسيرات قوات الدعم السريع واحتلال مناطق حدودية جديدة.
استراتيجية إثيوبية لاستنزاف الحضور المصري وفرض الهيمنة
يسعى الخطاب المؤطر لتثبيت أديس أبابا كقوة مركزية مهيمنة بلا منازع في القرن الأفريقي وقارة إفريقيا عموماً، وذلك من خلال تشويه أي حضور أو دور مصري وإظهاره بمظهر "العدوان غير المشروع" المرتبط بالوصاية والاستعمار. وتستهدف استراتيجية هذا الخطاب رفع الكلفة السياسية والدبلوماسية على القاهرة، إلى جانب منع قيام حلف استراتيجي قوي بين مصر والسودان. في المقابل تستند أغلب التغطيات الإثيوبية الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية الإثيوبية عبر وكالة الأنباء الإثيوبية (ENA) ومعهد الشؤون الخارجية وشبكة إعلام أديس أبابا، بتصوَّير التنسيق الأمني بين مصر والسودان كتحرك جيوسياسي موجه لمناواة إثيوبيا، وممارسة ضغوط عليها عبر حدودها الغربية. ويخدم هذا الربط هدفاً استراتيجياً يتمثل في نزع الشرعية الأخلاقية عن الموقف المصري، لتبرير الخطوات الأحادية في ملء وتشغيل السد تحت ذريعة الدفاع عن السيادة الوطنية.
تسويق سردية "الضحية" لتصدير الأزمات الداخلية
تواجه الحكومة الإثيوبية تحديات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة في أقاليم متعددة مثل أوروميا وأمهرة وتداعيات صراع تيجراي، مما يجعها تلجأ إلى خلق "عدو خارجي" وتسليط الضوء على "تهديد مصري وشيك" كأداة مجربة لتوحيد الشارع الإثيوبي حول القيادة السياسية. ويقوم هذا التأطير بإقناع الرأي العام بأن الضغوط الاقتصادية والتوترات الحدودية هي نتاج "حرب وكالة" تشنها قوى إقليمية مضادة، وليس بسبب إخفاقات الحوكمة وإدارة الملفات الداخلية. كذلك يعتمد الإعلام الموجه على مخاطبة مختلف المتلقيين الدوليين خارجيًا وداخليًا ولا سيما القوى المدنية والنشطاء السودانيين والإفريقيين عبر استخدام مصطلحات مشحونة (مثل الغارات والمجازر والانتهاكات) لإشعال الوجدان القومي وخلق عداء شعبي يعوق أي تعاون رسمي أو شعبي مستقبلي بين البلدين. وفي الوقت ذاته، يرسل رسائل للاتحاد الإفريقي والقوى الدولية، فضلاً عن استخدام هذا التصعيد للتغطية على أي تحالفات إقليمية مريبة لأديس أبابا.
أبرزت الورقة آلية التأطير الممنهجة التي تتجلى عمليًا في الإعلام والخطاب الإثيوبي الرسمي، موضحة أنها لا تقتصر على مجرد نقل الأخبار، بل تُشكّل أداة رئيسة في حرب ناعمة-والتي تُمثل جوهر حروب الجيل الخامس-؛ حيث تُديرها أديس أبابا لتأمين مكاسبها الاستراتيجية، وحماية مشروعها القومي المتمثل في "السد الإثيوبي"، فضلاً عن عزل الدور الاستراتيجي لمصر إقليميًا عبر تشويه طبيعة حضورها التاريخي والأمني في الجوار السوداني. كما كشفت الورقة عن الدوافع الاستراتيجية وراء هذا التأطير، وفي مقدمتها تصدير الأزمات الداخلية المتفاقمة وإيجاد "شماعة" للتعثر الاقتصادي والأمني عبر إقناع الرأي العام بأن الضغوط الحدودية هي نتاج "حرب وكالة". ومن خلال خلق سردية مضادة تُصوّر مصر كدولة تتدخل عسكريًا وتزعزع الاستقرار، تحاول إثيوبيا قلب الطاولة وإعادة توزيع الأدوار لتظهر بمظهر "الضحية المستهدفة"، مما يشتت الأنظار عن أزماتها السياسية وملف السد، ويخدم أهدافها الجيوسياسية في صراع النفوذ الإقليمي وإزاحة الضغط الدبلوماسي عنها.