من الديزل إلى أوكرانيا وإيران.. كيف أربكت انتخابات نوفمبر حسابات ترامب؟
تتزايد التساؤلات داخل الحزب الجمهوري بشأن التحولات التي طرأت على طريقة اتخاذ القرارات في البيت الأبيض خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، في ظل سلسلة من التحركات السريعة التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وشملت التعامل مع ضغوط إعلامية، وإنهاء مهام مسؤولين مقربين منه، والتراجع عن أجزاء من سياساته تجاه روسيا، وصولًا إلى إعادة ترتيب أولويات إدارته بين الحرب في إيران والحرب في أوكرانيا.
وقال قيادي جمهوري مقرب من البيت الأبيض، في تصريحات صحفية، إن «هناك شيئًا ما يتغير في محيط الرئيس ترامب»، مشيرًا إلى أن فريق العمل داخل القيادة الأمريكية لاحظ في الفترة الأخيرة أن الرئيس ودائرته المقربة باتوا يأخذون في الاعتبار عوامل لم تكن تتصدر أولوياتهم قبل بدء الحملة الانتخابية.
وأوضح القيادي أن هذه التحولات ترتبط، بحسب تقديره، بتزايد الضغوط السياسية والاقتصادية، وتراجع مستويات الحماسة لدى قطاعات من القاعدة الجمهورية في ولايات اعتاد الحزب تحقيق نتائج قوية فيها، الأمر الذي دفع ترامب إلى البحث عن خطوات سريعة لتحسين فرص مرشحي حزبه في انتخابات الثالث من نوفمبر.
قرارات سريعة تحت ضغط الإعلام
قبل بدء الحملة الانتخابية، لم يكن ترامب ودائرته الضيقة يولون اهتمامًا كبيرًا لما تنشره الصحف المعارضة لسياساته، وفي مقدمتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، التي تصدرت صفحاتها على مدى الولايتين الرئاسيتين الأولى والحالية تقارير عن تسريبات من داخل إدارته.
لكن المفاجأة، وفق القيادي الجمهوري، تمثلت في سرعة استجابة ترامب وجديته في التعامل مع التسريبات التي تناولت سلوكيات السفيرة الأمريكية السابقة لدى اليونان، كيمبرلي جويلفويل، الخطيبة السابقة لنجله، والتي كانت من الشخصيات القيادية السابقة في الحزب الجمهوري والمقربة من الدائرة العائلية للرئيس.
وقال إن القرار بشأن إنهاء مهام غويلفويل جاء خلال فترة قصيرة، في خطوة بدت مخالفة لما اعتاده المقربون من ترامب بشأن أسلوب اتخاذ القرار داخل المكتب البيضاوي، خصوصًا عندما تكون الضغوط مصدرها مؤسسات إعلامية تنتقد الرئيس وسياساته.
وبحسب القيادي، لم ينتظر ترامب طويلًا لإنهاء الجدل الذي أثارته التقارير الصحفية، وأعلن البيت الأبيض قرار إنهاء مهام الدبلوماسية السابقة، التي كانت تتمتع بمكانة داخل الحزب الجمهوري وعلاقات وثيقة بالمحيط العائلي للرئيس.
ولفت إلى أن ترامب، خلال حديثه مع مراسلي البيت الأبيض لتبرير القرار، كشف أن فريقه المقرب لم يكن راضيًا عما قرأه في الصحف بشأن سلوكيات جويلفويل وقصص الفساد التي تناولتها التقارير المتعلقة بفترة عملها في أثينا.
إقالة ثانية خلال أسبوع واحد
لم تقتصر التحولات على التعامل مع قضية جويلفويل، إذ شهد الأسبوع نفسه قرارًا آخر لفت انتباه القيادات الجمهورية، تمثل في إنهاء مهام المتحدثة باسم البيت الأبيض كاتي زكريا، بعد ضغوط إعلامية استمرت أسبوعًا كاملًا.
وجاء القرار بعد أقل من أسبوع على تولي زكريا منصبها، ما جعل سرعة التخلي عنها موضع تساؤل داخل الحزب، وفق القيادي الجمهوري.
وأوضح أن ترامب لم يكن، في المعتاد، يبدي اهتمامًا كبيرًا بالانتقادات الإعلامية الموجهة إلى اختياراته، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأفراد دائرته المقربة الذين يختارهم على أساس الولاء الشخصي المباشر.
ومن هذا المنطلق، اعتبر القيادي أن إنهاء مهام زكريا بهذه السرعة يمثل مؤشرًا على تغير طريقة تعامل البيت الأبيض مع الضغوط الإعلامية والسياسية، في وقت تتزايد فيه حساسية الإدارة تجاه تداعيات القرارات على وضع الحزب الانتخابي.
الديزل الروسي يضع ترامب أمام حرج سياسي
يمثل ملف الديزل، وفق القيادي الجمهوري، مؤشرًا آخر على التحولات في حسابات ترامب، إذ يأتي في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية الداخلية، بالتزامن مع اقتراب انتخابات نوفمبر.
فبعد أسابيع قليلة من احتفال ترامب بتوقيع قرار وصفه القيادي بالتاريخي، جاء نتيجة توافق نادر بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، وقّع الرئيس خلال الساعات الماضية قرارًا تنفيذيًا تراجع بموجبه عن أجزاء كبيرة من ذلك القرار.
وكان القرار السابق يتعلق بفرض أقصى العقوبات الاقتصادية على روسيا، وارتبط بإرث السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، أحد أبرز حلفاء ترامب السياسيين في واشنطن، بحسب ما أورده القيادي.
وأضاف أن التراجع وضع ترامب ومؤيديه الجمهوريين في موقف محرج سياسيًا، ومنح خصومه الديمقراطيين مزيدًا من الحجج لانتقاد طريقة إدارته للحرب في أوكرانيا وعلاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وأشار إلى أن ما حدث لم يكن تراجعًا محدودًا، بل شمل أجزاء واسعة من السياسات التي حاول ترامب من خلالها الموازنة بين ضغوط المحافظين في الكونغرس وقناعته الشخصية بإمكانية تحقيق تقدم في المفاوضات مع بوتين.
وقال القيادي إن هذه التطورات أحدثت ما يشبه الصدمة داخل محيط الرئيس، خصوصًا أن ترامب ونائبه جي دي فانس اضطرا إلى تخصيص وقت أكبر من الحملة الانتخابية للتوجه إلى ولايات جمهورية كانت تُعد تقليديًا مضمونة للحزب.
مخاوف من خسائر في ولايات جمهورية تقليدية
وبحسب القيادي، يواجه الجمهوريون احتمالات بالخسارة في ولايات لم يخسروا فيها مقاعد لعقود، من بينها كانساس، التي قال إن الحزب لم يخسر فيها مقعدًا في الكونجرس منذ 96 عامًا، وتكساس التي لم يخسر فيها الجمهوريون منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وأوضح أن جهود ترامب تتركز حاليًا على محاولة استعادة زخم الحزب في الولايات التي اعتادت دعمه، معتبرًا أن أزمة أسعار الديزل التي أثقلت كاهل المزارعين الأمريكيين تمثل أحد العوامل الرئيسية وراء تراجع فرص الجمهوريين في بعض المناطق.
وأضاف أن الإدارة تبحث عن حلول سريعة للأزمة، وأن ترامب رأى في التوصل إلى اتفاق مع موسكو يسمح بتحويل الديزل الروسي إلى السوق الأمريكية أحد الخيارات المتاحة لتخفيف الضغوط على السوق المحلية.
وقال إن الهدف لا يقتصر على احتواء الأزمة الاقتصادية، بل يشمل أيضًا الحد من تأثيرها على حظوظ الحزب الجمهوري في انتخابات نوفمبر.
وأكد القيادي أن الحسابات السياسية الآنية باتت تؤثر في خيارات البيت الأبيض خلال مرحلة وصفها بالحساسة استراتيجيًا، في ظل الضغوط الداخلية وتزايد المخاوف من خسائر انتخابية، مشيرًا إلى أن تحركات الرئيس تستهدف، في تقديره، تحسين فرص مرشحي حزبه.
إيران تتراجع في الأولويات وأوكرانيا تعود إلى الواجهة
وفي تحول آخر، قال القيادي الجمهوري إن أولويات ترامب شهدت تغيرًا ملحوظًا خلال الأسبوعين الأخيرين، بعد أن تركز اهتمام الإدارة خلال الأشهر السبعة الماضية على الحرب في إيران، على حساب الحرب في أوكرانيا.
وأضاف أن الحديث عاد بقوة عن إمكانية التوصل إلى تسوية سريعة للحرب في أوكرانيا، لتصبح، بحسب تقديره، أولوية رئيسية للرئيس الأمريكي في المرحلة الحالية.
وأوضح أن التصور الذي كان متداولًا داخل الحزب الجمهوري يقوم على إعادة إطلاق مفاوضات مباشرة بين كييف وموسكو بوساطة أمريكية، أو التوصل، في الحد الأدنى، إلى هدنة تمنع استهداف منشآت الطاقة في أوكرانيا وداخل روسيا.
لكن هذا التصور، وفق القيادي، تغير سريعًا، مع انتقال ترامب إلى الحديث عن احتمال التوصل إلى تسوية مع موسكو في غياب أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين.
وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي تحدث أيضًا عن ضرورة التفكير في قيادة بديلة في كييف وإنهاء عهد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، معتبرًا أنه لم يتعاون بما يكفي لإنهاء الحرب، بل شكك في رغبته في إنهائها من الأساس.
ورأى القيادي أن النقاشات الجارية داخل البيت الأبيض بشأن احتمال عقد قمة ثلاثية تجمع الولايات المتحدة وروسيا والصين تعكس استعجال الإدارة تحقيق إنجاز سياسي يمكن لترامب تقديمه قبل انتخابات الثالث من نوفمبر.
تراجع التأييد يثير قلق الدائرة المقربة
وقال القيادي إن حجم التراجع في الحماسة تجاه سياسات ترامب شكّل مفاجأة للدائرة الضيقة المحيطة به، خصوصًا في ولايات فاز فيها الرئيس في الانتخابات الرئاسية قبل عامين بفوارق وصلت أحيانًا إلى عشر نقاط مئوية.
وأضاف أن هذا التراجع أثار نقاشات حادة داخل قيادات الحزب الجمهوري بشأن أداء البيت الأبيض انتخابيًا، ومدى تأثير تأخر ترامب ونائبه فانس في الانخراط في دعم المرشحين الجمهوريين.
وأشار إلى وجود أصوات داخل الحزب ترى أن التركيز المكثف على الحرب في إيران خلال العام الثاني من ولاية ترامب أدى إلى إبعاد الإدارة عن الملفات الداخلية، في وقت كانت فيه الأسعار داخل الولايات المتحدة تواصل الارتفاع.
وبحسب هذا التقييم، فإن سعي البيت الأبيض إلى تحقيق إنجاز سريع في الشرق الأوسط تزامن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية على الأمريكيين، ما زاد صعوبة الموقف الانتخابي للجمهوريين.