تقارب مع واشنطن وتل أبيب وقمع داخلي.. "جنرال التغريدات" يقترب من حُكم أوغندا
تتزايد المؤشرات على استعداد أوغندا لانتقال محتمل للسلطة من الرئيس يوري موسيفيني إلى نجله موهوزي كاينيروجابا، قائد الجيش الأوغندي، في مشهد يثير تساؤلات بشأن مستقبل الحكم في البلاد، وسط اتهامات للجنرال الشاب بالتورط في قمع المعارضة وتهديد خصومه، في وقت يوسع فيه علاقاته مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وفي 12 مايو 2026، أدى موسيفيني اليمين الدستورية لولاية سابعة على التوالي، وبعد ساعات ظهرت في شوارع العاصمة كمبالا لافتات ضخمة تحمل عبارة «موهوزي لعام 2031». وظهرت على اللافتات صورة موهوزي، صاحب الشارب الكثيف الذي يرتدي الزي العسكري الكاكي، في إشارة إلى احتمال توليه الرئاسة في الانتخابات المقبلة.
ويبلغ موسيفيني 82 عامًا، وقد أمضى نحو أربعة عقود في السلطة، فيما يُنظر إلى نجله، الذي يصفه بعض الأوغنديين بأنه «المولّد الاحتياطي»، باعتباره المرشح الأبرز لخلافته إذا تراجعت صحة والده أو قرر التنحي.
وريث غير معلن للسلطة
لم يُعلن رسميًا تعيين موهوزي وليًا للعهد، لكن الشكوك بشأن طموحه السياسي تراجعت بعد ترقيته إلى قيادة القوات المسلحة الأوغندية عام 2024، وفق تقرير نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية. وبات السؤال المتداول في الأوساط السياسية، بحسب التقرير، يتعلق بتوقيت انتقال السلطة أكثر من احتمالات حدوثه.
وقال إيغيسا ليونارد، مدير مركز «مغيزي هارفست» للتحليل السياسي، الذي تربطه صلات بدوائر الحكم، للصحيفة إن «العائلة تخرج هذا الانتقال بإتقان»، ونقل التقرير عن أحد مساعدي موهوزي المقربين، من دون الكشف عن اسمه، قوله إن «الابن يحكم البلاد فعليًا من وراء الستار».
وتلقى موهوزي تدريبه في أكاديميات عسكرية في الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن يتدرج سريعًا في الرتب العسكرية وصولًا إلى قيادة الجيش. ومع ذلك، لم يجرِ مقابلة صحفية قط، ولا يعرفه كثير من الأوغنديين من خلال ظهوره العلني أو خطاباته.
وقال كريستوف تيتيكا، المتخصص في الشأن الأوغندي بجامعة أنتويرب، إن موهوزي ألقى عددًا من الخطابات التي وُصفت بأنها مخيبة للآمال، مضيفًا أنه نادرًا ما يظهر في الأماكن العامة، حتى إنه لا يحضر حفلات عيد ميلاده.
ونقل التقرير عن دبلوماسي من شرق أفريقيا قوله إن موهوزي قد يفقد فرصه السياسية سريعًا إذا اضطر إلى خوض حملة انتخابية ميدانية أو إلقاء خطاب أمام حشد من المواطنين.
«جنرال التغريدات».. حضور افتراضي واتهامات بالتعذيب
في مقابل محدودية ظهوره أمام الجمهور، يستخدم موهوزي منصة «إكس» بكثافة، وينشر عليها تغريدات أثارت جدلًا واسعًا بسبب مضمونها ونبرتها.
ووصفته «لوموند» بأنه «جنرال التغريدات»، في إشارة إلى اعتماده على المنصة للتعبير عن مواقفه وإطلاق تهديدات وتصريحات غير مألوفة، على نحو يشبه أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
وبحسب التقرير، شهدت كمبالا خلال العام الماضي موجة من الاعتقالات استهدفت سياسيين معارضين وصحفيين وناشطين حقوقيين. وقال التقرير إن بعض المعتقلين نُقلوا سرًا إلى شبكة من مراكز الاحتجاز في مدينة عنتيبي، الواقعة جنوب العاصمة، أطلق عليها موهوزي اسم «القبو»، واتهمت بأنها تُستخدم لتعذيب المحتجزين.
ويتباهى موهوزي، وفق التقرير، بأنه يشرف بنفسه على بعض الاستجوابات. وفي 15 يونيو، نشر تعليقًا فوق صورة للمحامي إرياس لوكوغو، رئيس بلدية كمبالا السابق وأحد قادة المعارضة، ظهر فيها مكمّمًا داخل أحد مراكز الاحتجاز، قائلًا: «أنا فخور بكل الألم وكل المعاناة التي سأُلحقها به».
وفي أكتوبر، كشف ضابط استخبارات هارب مقاطع فيديو عبر منصة «تيك توك»، قال التقرير إنها توثق الحياة اليومية داخل مراكز الاحتجاز. وأظهرت المقاطع، بحسب ما ورد، منازل تبدو فاخرة حُوّلت إلى غرف للتعذيب، مع رفع مستوى الموسيقى للتغطية على أصوات الصراخ.
وأضاف التقرير أن بعض المحتجزين يعجزون عن المشي بعد أسابيع من الضرب. ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن معتقل سابق يعيش حاليًا في المنفى، قوله إن موهوزي كان يقتحم زنزانته أحيانًا، ويوجه إليه الإهانات ويأمره بخلع بنطاله، قبل أن يصوره بهاتفه.
قمع المعارضة بعد انتخابات يناير 2026
تصاعدت حدة القمع، وفق التقرير، عقب الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في يناير 2026، إذ أسفرت حملة استهداف المعارضة عن مقتل 30 شخصًا واعتقال نحو ألفي شخص.
وتباهى موهوزي، عبر حسابه على منصة «إكس»، بأنه قتل 22 عضوًا من حزب «منصة الوحدة الوطنية» المعارض، الذي يقوده بوبي واين، واسمه الحقيقي روبرت كياغولاني. وكتب في إشارة إلى زعيم المعارضة: «أصلّي أن يكون كابوبي هو الثالث والعشرين»، مستخدمًا لقبًا مهينًا لواين.
وتمكن بوبي واين من مغادرة كمبالا في يناير، رغم تطويق الشرطة لمنزله، قبل أن يظهر في الولايات المتحدة بعد شهرين من الاختباء، حيث يواصل قيادة المعارضة من المنفى.
وقال واين لصحيفة «لوموند» إنه فقد الأمل في العودة إلى بلاده، محذرًا من أن مصيره، إذا عاد، سيكون «في أفضل الأحوال، السجن بعد تعذيب وحشي».
ويخشى واين أن يواجه مصير كيزا بيسيغيي، الذي كان من المقربين إلى موسيفيني وشاركه القتال خلال ثمانينيات القرن الماضي. وسُجن بيسيغيي عام 2024 بتهمة التآمر لقلب الحكومة، ويرقد حاليًا في العناية المركزة في كمبالا.
ونقلت الصحيفة عن دوريين نيانجورا، من حزب بيسيغيي، قولها إن المعارضة تعيش حالة من الذعر، مضيفة: «إما في المنفى وإما في السجن».
موسيفيني لا يتدخل في تصرفات نجله
لا يظهر الرئيس موسيفيني، وفق التقرير، تدخلًا مباشرًا في تصرفات نجله، باستثناء مواجهة علنية وقعت عام 2022، عندما أبعده عن قيادة الجيش عقب تغريدات هدد فيها بغزو كينيا المجاورة.
وقال موسيفيني آنذاك للتلفزيون الكيني إن نجله سيتوقف عن استخدام «تويتر»، الاسم السابق لمنصة «إكس»، وإنهما تحدثا بشأن الأمر، مضيفًا أنه لن يتحدث عن دول أخرى أو عن السياسة الأوغندية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
لكن موهوزي رفض الالتزام بهذا التوجه، وقال إن والده يستطيع إبعاده عن الجيش مرة أخرى إذا أراد ذلك.
ومنذ عام 2022، أثارت تغريداته المتكررة جدلًا بسبب تصريحات غير مألوفة وتهديدات أطلقها تجاه شخصيات ودول. فقد عرض مئة بقرة مقابل الزواج من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وهدد بـ«غزو روما» إذا رُفض عرضه.
وبعد سنوات، أعلن حبه للمغنية الأمريكية بيونسيه، وتحدى زوجها مغني الراب جاي-زي في مبارزة.
وفي عام 2026، طالب تركيا بتسليمه «مليار دولار» و«أجمل امرأة في البلاد»، بعدما رفضت الحكومة التركية تسليم مدون أوغندي. وفي أبريل، ادعى قدرته على إرسال «500 ألف رجل جائع» إلى طهران «لحماية الأرض المقدسة» لإسرائيل.
تقارب مع إسرائيل وأمريكا وسط اتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان
تكشف تصريحات موهوزي بشأن إرسال قوات إلى إيران، وفق التقرير، جانبًا من توجهاته السياسية وعلاقاته الخارجية، وتنتمي عائلة موسيفيني إلى المذهب الخمسيني، وهو تيار مسيحي بروتستانتي ظهر في أوائل القرن العشرين، كما تؤيد الصهيونية المسيحية.
وتعد إسرائيل الشريك الأمني الأول لأوغندا، بحسب التقرير.
وتنشر الاستخبارات الإسرائيلية طائرات مسيّرة إسرائيلية الصنع في أوغندا، كما تزودها بمعدات للمراقبة الإلكترونية. ونقل موقع «أفريكا إنتليجنس» أن نحو 20 عميلًا سابقًا في جهاز الموساد يتولون، منذ بداية العام، حماية موهوزي وفريقه.
وبدفع من موهوزي، أعلنت أوغندا استعدادها لإرسال قوات للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، رغم أن البلاد تتولى رئاسة حركة عدم الانحياز، التي دعمت القضية الفلسطينية على مدى عقود.
وقال موامبوتسيا نديبيسا، أستاذ التاريخ في جامعة ماكيريري بالعاصمة كمبالا، إن هذه الخطوة تمثل وسيلة للتقرب من إسرائيل والولايات المتحدة، مضيفًا أن السياسة الخارجية الأوغندية تتسم بالانتهازية، وأن السلطات تنظر بإيجابية إلى إدارة ترامب، التي قال إنها تفضل التعامل مع القادة الأقوياء ولا تعلق على أوضاع حقوق الإنسان في أوغندا، خلافًا للإدارات الديمقراطية.
وفي إطار التقارب مع واشنطن، أبرمت أوغندا اتفاقًا ثنائيًا مثيرًا للجدل في مجال الصحة العامة، كما وافقت على استقبال مهاجرين تطردهم الولايات المتحدة.
وقال عبد الله بورو هالاخي، خبير شؤون شرق أفريقيا في منظمة «لاجئون دوليون»، إن موهوزي «يقوم بالعمل القذر نيابة عن الغرب كي لا يتحدث أحد عن القمع في بلاده».
أما الاتحاد الأوروبي، فاكتفى بالتعبير عن قلقه إزاء قمع المعارضة عقب الانتخابات، في وقت تظل فيه أوغندا شريكًا مهمًا لبروكسل في منطقة البحيرات الكبرى. ويشارك الجيش الأوغندي في عمليات مكافحة «القوات الديمقراطية المتحالفة»، وهي جماعة مسلحة مرتبطة بتنظيم داعش في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
«عمّي» بول كاجامي.. نموذج يسعى موهوزي إلى تقليده
يبدي موهوزي إعجابًا بالرئيس الرواندي بول كاجامي، الذي يصفه بـ«عمّي»، في إشارة إلى العلاقة التي تربطهما.
وفي هذا السياق، أصبحت ممارسة «أوموغندا»، وهي يوم شهري مخصص للتنظيف والعمل المجتمعي في رواندا، إلزامية في العاصمة الأوغندية كمبالا منذ يوليو الماضي.
لكن محاولة نقل التجربة الرواندية إلى أوغندا تواجه تساؤلات بشأن مدى امتلاك موهوزي قاعدة شعبية وشرعية سياسية تماثلان ما يتمتع به كاجامي، وفق آراء نقلها التقرير.
وقال الباحث والكاتب يوسف سيروكوما إن كاجامي يتمتع بعلاقة حقيقية مع شعبه وبشرعية اكتسبها من دوره في وقف الإبادة الجماعية ضد التوتسي في رواندا.
وأضاف سيروكوما أن موهوزي يمتلك بالفعل أدوات القوة والسيطرة العسكرية، لكنه قد لا يتمكن من اكتساب الشرعية السياسية والشعبية التي يحتاج إليها لتولي الحكم.



