عاجل

في شهر الصحة النفسية.. لماذا لا يكفي أن نطلب من المرأة أن تكون قوية، بل يجب أن نمنحها الحق في أن تتعب وتُسمَع وتُدعَم؟

قد تستيقظ المرأة كل صباح لتؤدي أدوارها المعتادة؛ أمًّا وزوجة وابنة وموظفة، وتمنح من حولها الحب والدعم والاهتمام، بينما تخفي خلف ابتسامتها إرهاقًا نفسيًا لا يراه أحد. اعتاد المجتمع أن يرى المرأة قوية، قادرة على التحمل وتجاوز الصعوبات، حتى أصبح البعض يعتقد أن قدرتها على الاستمرار تعني بالضرورة أنها بخير. لكن الحقيقة أن ليس كل من يبتسم يشعر بالراحة، وليس كل من يتحمل الأعباء قادرًا على الاستمرار دون دعم.

قد تظهر الضغوط النفسية في صورة عصبية زائدة، أو فقدان للشغف، أو اضطرابات في النوم، أو رغبة في العزلة. وهذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنها تستحق الانتباه إذا استمرت وأثرت في الحياة اليومية. ومن هنا تأتي أهمية الوعي النفسي؛ أن نتوقف عن الحكم على السلوك قبل فهم أسبابه، وأن نستبدل سؤال «لماذا أنتِ عصبية؟» بسؤال أكثر إنسانية: «ما الذي يضغط عليكِ إلى هذه الدرجة؟

فالوعي النفسي لا يعني تبرير كل تصرف، بل فهم المشاعر والاحتياجات، والتعامل مع المشكلات بقدر أكبر من التعاطف والمسؤولية. كما أن الاهتمام بالصحة النفسية للمرأة لا ينبغي أن يقتصر على مطالبتها بالراحة أو ممارسة الرياضة أو تخصيص وقت لنفسها، بينما تظل وحدها مسؤولة عن أعباء تفوق قدرتها.

إن دعم المرأة يبدأ من أسرة تتشارك المسؤوليات، وبيئة عمل تحترم احتياجاتها، ومجتمع يتعامل مع الصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من جودة الحياة، لا رفاهية يمكن الاستغناء عنها. فالمرأة لا تحتاج فقط إلى نصائح كي تصبح أكثر قدرة على التحمل، بل تحتاج أيضًا إلى من يساندها، ويحترم حدودها، ويمنحها مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرها دون خوف من اللوم أو التقليل من معاناتها.

ويمثل شهر أكتوبر، وفي مقدمته اليوم العالمي للصحة النفسية الذي يوافق العاشر من أكتوبر، فرصة لتجديد الاهتمام بالصحة النفسية ونشر ثقافة أكثر وعيًا باحتياجات الإنسان. لكن الوعي الحقيقي لا يتوقف عند المنشورات والفعاليات، بل يبدأ حين نستمع إلى الآخرين بصدق، ونتعامل مع معاناتهم بجدية، ونعمل على توفير الدعم المناسب لهم.

وهنا تتجلى أهمية الوعي المجتمعي، الذي لا يكتفي برؤية المشكلات، بل يسعى إلى فهمها والمشاركة في حلها. فالصحة النفسية ليست مسؤولية المتخصصين وحدهم، وإنما مسؤولية الأسرة والمؤسسات والمجتمع بأكمله. ويبدأ الاهتمام بها من خطوات بسيطة، مثل الانتباه إلى التغيرات المستمرة في الحالة النفسية، والتعبير عن الاحتياجات بوضوح، ووضع حدود صحية، والابتعاد عن المقارنات المرهقة، وطلب المساعدة من مختص مؤهل عندما تستمر المعاناة أو تؤثر في الحياة اليومية.

ومن موقعي المهني في مجال الصحة النفسية والإرشاد الأسري والزواجي، أؤمن بأن بناء الوعي يبدأ حين ندرك أن المرأة، مهما امتلكت من قوة، تحتاج إلى الدعم مثل أي إنسان آخر. كما أن المشاركة المجتمعية في نشر الوعي النفسي تمثل خطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر قدرة على الاستماع، واحترام الاحتياجات الإنسانية، ومواجهة الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة.

وفي شهر الصحة النفسية، علينا أن نغيّر السؤال من: «كيف تستطيع المرأة تحمّل كل هذه المسؤوليات؟» إلى: «كيف يمكننا أن نساعدها حتى لا تتحملها وحدها؟ فالمرأة التي تمنح الجميع القوة تستحق أن تجد من يساندها، والمجتمع الواعي ليس مجتمعًا لا يتعب أفراده، بل مجتمع لا يتركهم وحدهم في مواجهة تعبهم.

لأن الوعي الحقيقي لا يقتصر على فهم المشكلات، بل يتحول إلى مسؤولية مشتركة وخطوات عملية تصنع فارقًا في حياة الإنسان.

تم نسخ الرابط