عاجل

ليس مطلوبًا من أحد أن يحب إلهام شاهين، أو أن يتفق مع مواقفها السياسية، أو أن يرى في جميع أعمالها قيمة فنية تستحق الإشادة. فمن حق الجمهور أن يختلف، ومن حق الناقد أن يرفض، ومن حق المشاهد أن يعلن رأيه بصراحة، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية، ويصبح اسم الفنانة وحده كافيًا لاستدعاء سيل من الإساءة والاتهامات، قبل مناقشة أعمالها أو فهم أفكارها، وكأن الحكم قد صدر سلفًا، ولم يعد هناك مجال للإنصاف أو الحوار.
أصبحت إلهام شاهين، لدى بعض المتابعين، أكثر من مجرد فنانة تخضع أعمالها للتقييم؛ فقد تحول اسمها إلى عنوان لمعركة تتداخل فيها السياسة والدين والفن، وتختلط فيها المواقف الشخصية بالأحكام الأخلاقية، حتى باتت أخبارها تستدعي تعليقات لا تهتم بما قدمته بقدر اهتمامها بتجديد الخصومة معها. وهذه الحالة لا تتعلق بحق الجمهور في الاعتراض، وإنما بالطريقة التي يُمارس بها هذا الحق، وبالمسافة الفاصلة بين النقد المسؤول والرغبة في الإدانة.
حين يُذكر اسم فنانة، فتنهال عليها عبارات التجريح، وتُستدعى عناوين أفلامها ومشروعاتها المسرحية باعتبارها أدلة إدانة، نكون أمام مشكلة تتجاوز الخلاف حول عمل بعينه. فنحن أمام أحكام تختزل الإنسان في صورة واحدة، وترفض النظر إلى تجربته في تعددها، وتستبدل مناقشة الأفكار بإطلاق الاتهامات. وهنا لا يعود السؤال متعلقًا بما إذا كانت الفنانة قد نجحت أو أخفقت، بل يصبح الخلاف معها سببًا كافيًا لرفضها، بصرف النظر عما تقدمه.
ولا يمكن قراءة جانب من هذه الخصومة بمعزل عن المواقف السياسية التي أعلنتها إلهام شاهين، خصوصًا موقفها من جماعة الإخوان المسلمين. فقد اختارت التعبير عن قناعاتها علنًا، ودافعت عن رؤيتها، في مرحلة شهدت استقطابًا سياسيًا حادًا في مصر. ومن الطبيعي أن تجد هذه المواقف مؤيدين ومعارضين، لكن ليس من الطبيعي أن يتحول الخلاف السياسي إلى مبرر للطعن في الفنانة أو التشكيك في نواياها، أو أن يصبح معيارًا وحيدًا للحكم على تاريخها الفني.
فالموقف السياسي يُناقش بالحجة، والعمل الفني يُقيّم بمعاييره، ولا يجوز أن يحل أحدهما محل الآخر. كما أن الدفاع عن فنانة لا يعني الاتفاق معها في كل ما تقول، مثلما أن معارضتها لا تمنح أحدًا الحق في الإساءة إليها. إن احترام الاختلاف لا يتطلب التنازل عن القناعات، وإنما يقتضي الاعتراف بحق الآخرين في التعبير عنها، ما دام الحوار قائمًا على الرأي والحجة، لا على التشهير والإقصاء.
ويكشف الجدل الذي صاحب مشروع عرض مسرحية «المومس الفاضلة» جانبًا واضحًا من هذه الإشكالية. فقد أثار اسم المسرحية اعتراضات حادة، ووصل الجدل المحيط بالمشروع إلى حد توقفه، بينما لم يحظ مضمون النص بالقدر نفسه من الاهتمام. والمسرحية، التي كتبها الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، تناقش قضايا سياسية واجتماعية تتصل بالتمييز العنصري واستغلال السلطة والنفاق الأخلاقي، وتكشف التناقض بين المبادئ التي يعلنها أصحاب النفوذ والمصالح التي تحرك سلوكهم.
لم يكن النص مجرد عنوان صادم، بل معالجة فكرية لواقع إنساني وسياسي معقد، يضع المتلقي أمام أسئلة تتعلق بالعدالة والتمييز والمسؤولية الأخلاقية. ومن ثم، فإن اختزال المسرحية في اسمها يحرمها من سياقها، ويحول العنوان من مدخل إلى فهم العمل إلى حاجز يمنع الاقتراب منه. فهل يصح أن نصدر حكمًا نهائيًا على تجربة مسرحية من دون قراءة مضمونها، أو أن نرفض مناقشة قضية لمجرد أن عنوانها لا ينسجم مع توقعاتنا؟
ليس المطلوب من الجمهور أن يقبل كل ما يُعرض عليه، ولا أن يتخلى عن معاييره الأخلاقية أو الثقافية، لكن الاعتراض الموضوعي يبدأ بمعرفة العمل وفهم رسالته، ثم مناقشة مدى نجاحه في التعبير عنها. أما إصدار الأحكام قبل الاطلاع على المضمون، فيحول النقد إلى موقف مسبق لا يضيف معرفة، ولا يتيح فرصة حقيقية للحوار.
وينطبق الأمر نفسه على فيلم «لحم رخيص»، الذي أثار عنوانه جدلًا واسعًا، بينما تناول قضية اجتماعية تتصل باستغلال النساء والظروف الاقتصادية والإنسانية التي قد تدفعهن إلى خيارات قاسية. فالأعمال الفنية لا تُختزل في أسمائها، ولا يجوز اعتبار العنوان حكمًا نهائيًا على مضمون الفيلم؛ إذ قد يلجأ المبدع إلى تعبير صادم لكشف واقع مؤلم، أو دفع الجمهور إلى مواجهة قضية يتجنب مناقشتها.
والفارق كبير بين عمل يعرض ظاهرة اجتماعية وبين عمل يتبناها أو يروج لها. فقد يقدم الفن شخصيات تمارس سلوكًا مرفوضًا، لا لكي يدعو إلى تقليده، بل ليكشف أسبابه ونتائجه، ويضع المتلقي أمام تناقضات الواقع. ولهذا فإن الحكم على أي تجربة سينمائية يتطلب النظر إلى سياقها الدرامي وطريقة معالجتها والرسالة التي تقدمها، لا الاكتفاء بعنوانها أو الانطباعات التي يثيرها.
وفي رصيد إلهام شاهين أعمال أخرى، مثل «خلطة فوزية» و«يوم للستات»، تناولت قضايا اجتماعية وإنسانية من زوايا مختلفة. وقد تختلف الآراء في مستوى هذه الأعمال أو في قدرتها على التعبير عن القضايا التي طرحتها، وهذا حق مشروع للنقاد والجمهور. لكن الإنصاف يقتضي أن يستند التقييم إلى عناصر العمل نفسه، بعيدًا عن المواقف المسبقة من الفنانة. فليس من العدل أن يُرفض عمل لمجرد أن صاحبته لا تحظى بقبول لدى بعض المتابعين، كما ليس من الموضوعية أن تُمنح أعمالها تقديرًا لا تستحقه لمجرد الدفاع عنها.
إن الدفاع عن إلهام شاهين لا يعني منحها حصانة فنية، ولا مطالبة الجمهور بالاتفاق معها، وإنما يعني وضع الأمور في نصابها الصحيح. فالنقد حق، والاعتراض حق، والاختلاف مع الفنان في أفكاره ومواقفه حق أيضًا، لكن الإساءة ليست نقدًا، والتشهير ليس حوارًا، والاتهامات التي لا تستند إلى معرفة لا تخدم الفن ولا تضيف شيئًا إلى الوعي العام.
وتحتاج الحياة الثقافية المصرية إلى مناخ يسمح بالنقاش الجاد، يستطيع فيه الناقد أن يرفض عملًا بالحجة، ويستطيع فيه الفنان أن يعبر عن أفكاره من دون أن يتحول إلى هدف لحملات تستهدف شخصه بدلًا من مناقشة إنتاجه. فازدهار الفن لا يتحقق بالمجاملات أو التصفيق الدائم، كما لا يتحقق بالإقصاء والتخوين، وإنما بحرية الإبداع وموضوعية النقد واحترام تعدد الرؤى.
ولأن الفن إحدى أهم أدوات القوة الناعمة لمصر، فإن الدفاع عن حريته ليس انحيازًا إلى فنان بعينه، بل دفاع عن حق المجتمع في امتلاك حياة ثقافية ثرية ومتنوعة. فالقوة الناعمة لا تُبنى بالأعمال التي ترضي الجميع، فهذا أمر مستحيل، وإنما تتشكل من القدرة على إنتاج فن يعبر عن الإنسان، ويطرح الأسئلة الصعبة، ويكشف جوانب الواقع التي تحتاج إلى فهم ومناقشة. وكلما اتسعت مساحة الحوار المسؤول، ازدادت قدرة الفن المصري على التأثير والوصول إلى جمهور أوسع.
لقد منحت إلهام شاهين الفن سنوات طويلة من عمرها، وخاضت تجارب متعددة، وأعلنت مواقف سياسية تحملت تبعاتها. وقد نتفق معها أو نختلف، ونشيد ببعض أعمالها أو ننتقد بعضها الآخر، لكن من غير العادل اختزال مسيرتها في موقف سياسي أو عنوان فيلم أو اسم مسرحية. فالتاريخ الفني لا يُكتب بالمحبة وحدها، ولا بالخصومة وحدها، وإنما بقراءة التجربة كاملة، وتقدير ما حققته، ومناقشة ما أخفقت فيه.
لسنا مطالبين بتغيير مواقفنا من إلهام شاهين، ولا بالتخلي عن حقنا في نقدها، لكننا مطالبون بمراجعة الطريقة التي نصدر بها أحكامنا. فهناك مساحة واسعة بين الإعجاب المطلق والعداء المطلق، وفي هذه المساحة وحدها يستطيع النقد أن يؤدي دوره الحقيقي، بعيدًا عن المجاملة والانتقام، وقريبًا من المعرفة والإنصاف.
تحية لإلهام شاهين، لا لأنها فوق النقد، ولا لأن جميع اختياراتها صائبة، وإنما لأنها تملك حق التعبير عن قناعاتها، وحق خوض تجربتها الفنية من دون أن تتحول مواقفها إلى مبرر لاستهدافها. والتحية لكل من يختلف معها بعقل، ويناقش أعمالها بمعرفة، ويرفض ما لا يقتنع به بالحجة. فالفن لا يحتاج إلى جمهور يصفق لكل شيء، بل إلى جمهور يعرف كيف يختلف، وكيف يحكم، وكيف يمنح العمل حقه قبل أن يصدر قراره.

تم نسخ الرابط