عاجل

هناك أشياء صغيرة جدًا في حياتنا لا نكتشف قيمتها إلا بعد أن تصبح جزءًا من الماضي ومن بينها كيس سندوتشات المدرسة. هذا الكيس الصغير الذي كان يخرج معنا كل صباح وفي داخله سندوتش أو اثنان نأكلهما في الفسحة ونعود إلى البيت بعد نهاية اليوم المدرسي. لم نكن نعرف وقتها شيئًا عن مصطلحات التغذية الحديثة وغالبا لم نحتاج أن نشرح لأنفسنا لماذا نختار هذا الطعام دون ذاك. كانت الأمور تسير ببساطة وربما كانت هذه البساطة نفسها تحمل قدرًا كبيرًا من البركة.

زمان كانت الأم تضع في الكيس ما هو متوفر وما تقدر عليه؛ سندوتش جبنة، حلاوة، بطاطس، بيض، فول، وفي الظروف الجيدة بعض اللحوم المصنعة، ولا مانع من بواقي طبيخ اليوم السابق لو متاح، وقطعة فاكهة أحيانًا، ثم تقول لابنها: "خلي بالك من السندوتشات". لم تكن تتحدث عن السعرات ولا عن الألياف وكانت تعرف شيئًا أبسط وأعمق: أن ابنها يحتاج أن يأكل ويتغذى جيدًا، وأن الطعام كله نعمة وأن ما في البيت يجب أن يكفي الجميع.

ثم جاء زمن أصبحنا فيه أكثر اهتمامًا بالتفاصيل وهذا في حد ذاته أمر جيد. صرنا نعرف أن عيش الحبة الكاملة أفضل وأن الفاكهة والخضروات مهمة يومياً، وأصبح الـLunch Box يحمل عالمًا كاملًا من الاختيارات الصحية والألوان والمنتجات. لكن يبقى أن الاسم قد يصير أهم من المعنى؛ فأجيال كاملة عاشت على طعام بسيط متنوع بما تسمح به ظروف البيت، وكان السندوتش سندوتشًا نأكله كله ونشبع ونكمل يومنا، وكان في علاقتنا بالطعام في كثير من البيوت قدر من الاعتدال الطبيعي يستحق التأمل.

وكان الكيس أيضًا مدرسة لم نعرف وقتها أنها مدرسة؛ أول مدرسة لنا في السياسة والاقتصاد وإدارة المال الخاص. هناك في فناء المدرسة بدأت تجاربنا الأولى في التفاوض والمقايضة والاستثمار قصير المدى وإدارة الموارد المحدودة. كان السندوتش رأس مال حقيقيًا، والطفل يعرف جيدًا متى يحتفظ به ومتى يفاوض عليه ومتى يعرض نصفه مقابل شيء يراه أكثر قيمة. كانت تحالفات تتشكل حول سندوتش البطاطس والفول والطعمية، وصفقات غير معلنة بين أصحاب المربى والحلاوة، وأحيانًا نزاعات على الحدود والممتلكات تنتهي بتدخل طرف ثالث.

وكان كيس السندوتشات أيضًا أول درس لنا في قيمة الأشياء. لم نكن نرمي السندوتش بسهولة، حتى لو لم يكن هو المفضل لدينا، لأننا كنا نعرف أن وراءه مالًا دُفع، وطعامًا أُعد، وأمًا تعبت في تجهيزه. كنا نحتفظ بنصف السندوتش لوقت لاحق، أو نبادله، أو نعود به إلى البيت إذا لم نأكله، وكان هذا كله يحدث بشكل طبيعي من غير أن يخبرنا أحد أن ما نفعله اسمه ترشيد أو تقليل للهدر. اليوم نتحدث كثيرًا عن إدارة الطعام وتقليل الفاقد، بينما كان الطفل قديمًا يتعلم ذلك بطريقة بسيطة جدًا: ما في يدك له قيمة وما لديك ليس بلا نهاية.

وكانت التعددية الثقافية حاضرة بقوة؛ فهناك من يفضل الجبنة، وذاك لا يقبل إلا الحلاوة، وثالث يرى أن البيض هو الحل الوحيد، ودائمًا كان صاحب القرار هو صاحب سندوتش الفراخ البانيه واللحوم المصنعة، وكل واحد مقتنع تمامًا أن اختياره هو النظام الأفضل.

والأطرف أن كل طفل كان يدير كيس السندوتشات باعتباره اقتصادًا خاصًا لا يحق لأحد الاطلاع على تفاصيله، ويعرف بالضبط ما لديه وما أنفقه وما تبقى منه، ومن يمكن أن يطلب منه ومن لا يجوز الاقتراب منه. وكانت هذه أول مرة نكتشف فيها معنى الخصوصية المالية؛ فالسندوتش الذي في يدك ملكك وطريقة إدارته شأن داخلي لا علاقة لأحد به!

وهنا تأتي الحكاية الأجمل. لم تكن البركة وقتها مجرد كلمة نقولها على الطعام، بل طريقة حياة. أم تضع ما تستطيع في الكيس وتعرف كيف تدبر البيت وتخفي وراء سندوتش بسيط تعب يوم كامل وتضحية لا يراها الطفل. وأب يعمل ويدبر ويجعل القليل يكفي. ولم نفهم ذلك إلا حين كبرنا وأصبحنا مسؤولين عن بيوت، فعرفنا أن وراء هذا الكيس الصغير أمًا ضحّت وأبًا دبّر، وأن ما بداخله كان أكبر من مجرد طعام؛ كان حنانًا واهتمامًا وخوفًا على الأبناء.

وربما لهذا السبب تبدو لنا هذه الأكياس الصغيرة اليوم أكبر مما كانت عليه. نحن لا نتذكر فقط ما كان بداخلها وإنما نتذكر من وضعه، وكيف أُعد ومن كان ينتظر عودتنا إلى البيت. نتذكر أمهات لم يكن لديهن وقت لالتقاط صور للطعام أو ترتيب السندوتشات بطريقة تصلح للنشر، وآباء لم يكن أحد يتحدث عن تفاصيل ما يفعلونه كل يوم، لكن البيت كان يعرف قيمة ما لديهم. كانت الحياة أقل استعراضًا وأكثر اعتمادًا على ما تستطيع الأسرة أن تفعله بإمكاناتها الحقيقية، ولذلك بقيت بعض التفاصيل الصغيرة في الذاكرة كل هذه السنوات.

واليوم أصبح لدينا الـLunch Box، وأصبحنا أكثر حرصًا على أن يكون الطعام صحيًا ومتوازنًا وهذا جميل ومهم. لكن الصحة ليست فقط في نوع الخبز ولا في عدد الألوان داخل العلبة؛ هي أيضًا في الاعتدال وفي معرفة قيمة النعمة.

زمان لم نكن نعرف الحبة الكاملة لكننا كنا نشعر بالبركة الكاملة.

تم نسخ الرابط