في لحظات التحول التاريخي المفصلية التي تمر بها الأُمم، لا تغدو القرارات السياسية السيادية مجرد توجيهات إدارية عابرة، بل تتبلور كمرآة كاشفة لرؤية إستراتيجية تبتغي إعادة هيكلة الحاضر ورسم ملاحم المستقبل. ومن هذا المنظور الدقيق، جاءت الدعوة الكريمة للرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن صقل واختيار الكفاءات القيادية من الفئة العمرية المحصورة بين الأربعين والخمسين، لتدريبهم وتأهيلهم لمقاليد الإدارة والمسئولية؛ إذ تمثل هذه الدعوة خطوة فارقة تُفصح عن إدراكٍ عميق لضرورة ضخ الدماء الشابة في شرايين الجهاز الإداري والتنفيذي. إنها مبادرة جديرة بالتقدير والاحتفاء، كونها تفتح أفقًا جادًا لجيل يمتلك الحيوية والمعاصرة ويستوعب أدوات العصر الحديث. غير أن قراءة مقتضيات الواقع التنفيذي تدعونا إلى فتح نقاش موضوعي عميق، لا يستهدف التشكيك، بل يستهدف الاستكمال والبناء على هذه الرؤية الرئاسية الثاقبة.
إن الحديث عن تأهيل كوادر لقيادة الدولة يتجاوز حدود الوظائف الإدارية الوسطى والمهام الروتينية؛ نحن هنا بصدد إعداد الوزراء، ورؤساء الحكومات، بل وطليعة قد تضطلع بالمسئولية السياسية العليا للبلاد. وفي مثل هذه المستويات الرفيعة، يتجلى سؤال الحكمة والنضج: هل تكفي خمسون عامًا لاستيعاب التعقيدات المتشابكة للعمل السياسي والتنفيذي؟ إن الممارسة الممتدة تُراكم خبرات وملاكات لا تكتمل إحاطتها إلا عبر سنين طويلة من التعامل الحي مع الأزمات والتوازنات. ومن هذا المنطلق، نتوجه إلى سيادة الرئيس بالرغبة الصادقة في توسيع هذا النطاق العمري ليكون ممتدًا من الأربعين إلى الستين عامًا. إن شمول الشريحة العمرية الممتدة بين الخمسين والستين لا يُمثل بأي حال مصادرة لحق الشباب، بل يُحقق الاندماج العضوي بين حماسة العطاء وسداد الرأي، ويضمن صياغة صف ثانٍ وثالث من "رجال الدولة" المكتملي الخبرة، الجاهزين فوراً لسد أي فراغ تنفيذي دون الحاجة لفترات اختبار، وهو ما يجسد المفهوم العملي لدولة المؤسسات الراسخة.
وإذا ما استقرأنا القراءة التاريخية للعمل السياسي المعاصر في مصر، تتضح أمامنا حقيقة لا تقبل الجدال؛ إذ إن غالبية الرؤساء ورؤساء الوزارات والرموز السياسية التي أدارت دفة الوطن في أوقات المحن والمحطات الفاصلة، تولوا مسئولياتهم القيادية في سن تتجاوز الخمسين. ولم تكن تلك الظاهرة مصادفة زمنية، بل حقيقة إنسانية تُؤكد أن الإدارة العليا للبلاد تتطلب عمقًا تحليليًا وحنكة متراكمة لا تُصقل إلا بالزمن. ومن ثَمَّ، فإن استبعاد أصحاب الخبرات المتراكمة ممن تجاوزوا سن الخمسين قد يُحرم الدولة من مخزون استراتيجي نادر من العقول والمهارات التي خاضت معترك التجربة وامتلكت ثبات القرار. إن المزج بين اندفاع الأربعين ونضج الخمسين هو الصيغة الكفيلة ببناء هيكل قيادي متوازن، يصون مؤسسات الدولة ويضمن استمراريتها بنجاعة واقتدار.
وفي مضمار متصل بتماسك البناء الداخلي وصموده، يبرز ملف تنظيم أوضاع اللاجئين وضبط تواجد غير المصريين كأحد أكثر الملفات إلحاحًا وحساسية، خاصة حين نضع النص الدستوري الحاكم في موقعه الصحيح. تنص المادة 152 من الدستور المصري على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. إن إعمال هذه المادة الشديدة الأهمية يتصل اتصالاً مباشرًا بقرارات الحرب والسلم وحماية الأمن القومي المصري والإقليمي، وفي مقدمته الأمن القومي للخليج العربي، وبخاصة الأشقاء في المملكة العربية السعودية؛ حيث يمثل أمن المملكة وشعبها الشقيق امتدادًا حاسمًا للأمن القومي المصري، ولا يقبل التهاون أو التجزئة تحت أي ظرف.
وهنا تتجلى رابطة العروة الوثقى بين القرار الخارجي والجاهزية الداخلية؛ إذ لا يمكن للدولة أن تمارس دورها الإقليمي والدفاعي الجسيم بحرية وصلابة ما لم تكن جبهتها الداخلية حريصة ومحصنة تمامًا. ومن هذا المنطلق، يصبح حسم وتقنين ملف اللاجئين والتواجد الأجنبي ضرورة أمنية واجتماعية ملحة قبل الإقدام على أي استحقاقات دستورية سيادية بموجب المادة 152. وإن السبيل العملي لحسم هذا الملف يكمن في تطبيق نموذج "الحوكمة الرقمية الشاملة" وإصدار البصمة الموحدة لكافة المقيمين غير المصريين، لربط الإقامات والخدمات والتشغيل ببطاقات توثيق رقمية محكمة، بما يحفظ حقوق الدولة، ويمنع إنهاك البنية التحتية، ويقطع الطريق على أي ثغرات قد تمس الاستقرار المجتمعي، فتظل الجبهة الداخلية سندًا متماسكًا يمنح القيادة السياسية القدرة على الحركة واستشراف الالتزامات الإقليمية بثبات ويقين.
ويتكامل هذا الضبط الاجتماعي والأمني مع منظومة إدارية واقتصادية حازمة فرضتها دقة المرحلة؛ إذ يقتضي الاستقرار الداخلي اتخاذ قرارات اقتصادية شجاعة تستهدف ترشيد الإنفاق الحكومي وضبط أوجهه بصرامة غير مسبوقة، كمنهج يتسق مع فلسفة "اقتصاد الأزمات". إن المواطن المصري الذي يتحمل أعباء التحولات الاقتصادية يستحق أن يرى أجهزة الدولة ومؤسساتها القدوة والمَثَل في تقشف الإنفاق، وإلغاء أوجه الهدر، وتوجيه الموارد المتاحة بشكل مباشر نحو الأولويات الخدمية والتنموية ورفد متطلبات الأمن القومي. إن ترشيد الإنفاق ليس مجرد إجراء مالي تقشفي، بل هو قرار استراتيجية يوفر الموارد المالية اللازمة لدعم الصمود الدفاعي والأمني للدولة، وتأمين قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الوطنية والإقليمية.
ختامًا، ولأن المرحلة الراهنة بأبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تُعد من أكثر المراحل دقة في تاريخ مصر الحديث، فإن الموقف يستدعي إجراء تعديلات حكومية جوهرية تتسق مع طبيعة التحديات وتتجاوز النمطية التقليدية. إن إدارة الأزمات غير المسبوقة تقتضي وجود حكومة تتمتع بالمرونة، وتستند إلى رؤية اقتصادية واضحة تلامس تطلعات الشارع، وتتحرك بلغة الأرقام والحلول الشجاعة وضبط الإنفاق. إن التعديل المرتقب يجب أن يترجم هذه المتطلبات، ليضم قامات تجمع بين طاقة الشباب وخبرة الشيوخ، وتكون قادرة على تحويل الرؤية الرئاسية إلى واقع ملموس. إنها رؤية متكاملة نضعها بين يدي سيادة الرئيس، حرصًا على كل طاقة وعقل في هذا الوطن، لتبقى مصر أبية بدماء مؤسساتها الفتية وحصينة بجبهتها الداخلية المتماسكة.