أكتب إليكم اليوم، ليس بلسان المشتغل بالفقه القانوني والعمل السياسى وحسب، بل اتحدث ايضا بلسان المواطن الذي يحمل بين ضلوعه همّ هذا الوطن وحرمة دستوره؛ فالدستور ليس مجرد نصوص صماء تُسطَّر في الجريدة الرسمية أو تُتلى في المحافل، بل هو العقد الاجتماعي الأسمى الذي يربط الشعب بالسلطة، والميثاق الأخلاقي الذي يقيم عدل الدولة وكرامتها. ومن هنا، حين يتسلل إلى جسد التشريعات المنظمة للعملية الانتخابية عوارٌ يمس جوهر هذا العقد، يصبح الصمت ذنباً قانونياً وسياسياً لا يُغتفر. إن ما نشهده اليوم في التطبيق العملي لبعض أحكام قانون مجلس النواب، وتحديداً في آلية تصعيد المترشحين الاحتياطيين لشغل المقاعد النيابية الشاغرة، يضعنا أمام ظاهرة يأنف منها العقل الدستوري السليم، وتتمثل في التوريث المقنّع لمقعد البرلمان للأبناء والورثة، عبر إدراجهم كبدلاء احتياطيين لآبائهم أو أمهاتهم في القوائم الانتخابية المغلقة.
لقد استقر الفقه الدستوري المستنير، منذ أن عرفت البشرية الفكرة النيابية، على أن الوكالة البرلمانية هي تكليف شخصي ينبثق مباشرة من الإرادة الشعبية الحرة الشفافة، وليست ملكية خاصة تنتقل بالوفاة أو تُورث للأنسباء والأقرباء. إلا أن الواقع الانتخابي يكشف عن ثغرة تشريعية خطيرة أوجدتها المادة الخامسة والعشرون من قانون مجلس النواب رقم 46 لسنة 2014 وتعديلاته، والتي تقضي بأنه عند خلو مكان أحد الأعضاء المنتخبين بنظام القوائم، يحل محله أحد المترشحين الاحتياطيين وفق ترتيب الصفات. ولما كانت بعض الأحزاب والقوى السياسية تعمد إلى وضع الأبناء والبنات في المواقع الاحتياطية المباشرة لآبائهم أو أمهاتهم الأصليين في القائمة ذاتها، فإن الشغور الذي يحدث بالوفاة أو غيرها يتحول تلقائياً إلى آلية لتوريث المقعد البرلماني؛ حيث يُصعَّد الابن أو البنت مباشرة ودون رجوع للناخبين، وكأن المقعد النيابي أصبح جزءاً من التركة المالية التي تؤول للورثة بموجب إعلام الميراث، لا بموجب إرادة الأمة عبر صندوق الاقتراع.
إن هذا المسلك التشريعي والتطبيقي يصطدم بجدار الدستور المصري الصادر عام 2014 والمعدل عام 2019، ويتصادم صراحة مع حزمة من المبادئ الدستورية التي لا تقبل التجزئة أو الالتفاف. وأول هذه المبادئ هو مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليه في المادتين الرابعة والثالثة والخمسين من الدستور؛ فالدستور إذ يقيم بنيان الدولة على دعامتين متينتين هما المواطنة والمساواة المطلقة بين المواطنين دون تمييز، فإن منح ابن النائب أو ابنته مزية تفضيلية تجعله البديل الجاهز والوحيد لشغل المقعد فور شغوره، يُعد تمييزاً بحكم الواقع والممارسة يستند إلى رابطة الدم والقرابة، وهو ما يهدر مبدأ تكافؤ الفرص أمام باقي المواطنين والكوادر الحزبية التي تمتلك الكفاءة والجدارة لشغل هذا الموقع العام.
ولا يقف العوار الدستوري عند حدود الإخلال بالمساواة، بل يمتد ليعصف بأصل السيادة الشعبية وحق الناخب الدستوري المضمون في المادتين الرابعة والسبعين والمادة الثانية والستين. إن الناخب حين أدلى بصوته لصالح قائمة معينة، فإن إرادته اتجهت إلى منح الثقة للنائب الأصيل لما يتمتع به من خبرة وشعبية وتاريخ سياسي، ولم تتجه إرادته قط إلى منح تفويض على بياض للابن الاحتياطي الذي قُحم في القائمة شكلياً. وتصعيد هذا الابن تلقائياً عند شغور المقعد هو مصادرة صريحة لإرادة الناخبين، وحرمان لهم من ممارسة حقهم الأصيل في اختيار من يمثلهم عبر انتخابات تكميلية تشهد منافسة حرة وشريفة؛ فالسلطة التشريعية ليست عقاراً يُورّث، والمقعد النيابي ليس حقاً عينياً ينتقل بالحيازة أو الخلافة العادية، بل هو أمانة وولاية عامة تعود لل أصل - وهو الشعب - كلما خلت من شاغلها.
إن هذا العوار التشريعي ينعكس بالضرورة على الحياة السياسية برمتها، فيؤدي إلى تجريف البيئة الحزبية وإحباط الشباب الراغب في المشاركة الوطنية؛ إذ كيف ننتظر من الشباب أن ينخرطوا في العمل السياسي ويتطلعوا للمشاركة النيابية وهم يصطدمون بانسداد القنوات الطبيعية للتصعيد السياسي لحساب عائلات النفوذ التي تحوّل القوائم الانتخابية إلى "وثائق تأمين عائلية"؟ إن الأحزاب بذلك تفرغ نفسها من مضمونها التنافسي، وتتحول من مؤسسات للتنشئة الوطنية وصنع القيادات إلى كيانات تحكمها علاقات الدم والعصبية والمال.
إن العلاج الناجع لهذا العوار لا يحتمل المماطلة، ويتطلب تدخلاً تشريعياً عاجلاً لإعادة الأمور إلى نصابها الدستوري الصحيح. ويكاد ينحصر هذا الإصلاح في شقين جوهريين: الأول هو تعديل قانون مجلس النواب بما يحظر صراحة إدراج الأقارب من الدرجة الأولى كالوالدين والأبناء والأزواج كأعضاء احتياطيين للنائب الأصيل في القائمة الانتخابية ذاتها لمنع شبهة المحاباة والتوريث، والثاني هو إقرار مبدأ الانتخابات التكميلية كقاعدة عامة عند شغور أي مقعد نيابي، ليعود الحق لأصحابه ولتُحترم إرادة الناخبين مجدداً. وإلى أن يتحقق ذلك الإصلاح التشريعي، يبقى باب الطعن بعدم دستورية المادة الخاصة بالتصعيد المباشر أمام المحكمة الدستورية العليا واجباً وطنياً وقانونياً، صيانة لحرمة الدستور، ودفاعاً عن كرامة المقعد النيابي، وتأكيداً على أن مصر دولة مؤسسات وسيادة قانون، يُصان فيها حق المواطن، ولا يُورث فيها جاه ولا سلطة.