عاجل

إن القرن الإفريقي ليس مجرد بقعة جغرافية عابرة على خريطة العالم، بل هو العصب الحساس الذي يربط تخوم البحر الأحمر بخليج عدن وبوابة التجارة الدولية، ومسرحاً استراتيجياً تتقاطع فوقه سكاكين المصالح الدولية والإقليمية في صراع مفتوح على النفوذ والثروة والموقع. وحين نتأمل المشهد الراهن بعين القانون الدولي والواقع السياسي الناجز، نجد أنفسنا أمام منطقة تتناوشها ريح عاتية من الأزمات الهيكلية، حيث تتشابك خيوط التفكك الداخلي مع أجندات القوى العظمى التي اتخذت من هذه الرقعة مسرحاً لتصفية الحسابات وإعادة هندسة الجغرافيا السياسية.
في قلب هذا المشهد المأزوم، تقف إثيوبيا كنموذج صارخ للدولة المأزومة التي يحكمها نظام فدرالي مفكك وهش تحول بفعل الصراعات والسلطوية إلى قنبلة موقوتة تتنازعها أقاليم ترفض المركزية المفرطة وتطالب بحق تقرير المصير أو الاستقلال الفعلي. ولم يعد التنافس في أديس أبابا سياسياً حاصلاً بين أحزاب وبرامج، بل تحول إلى حرب ذات طابع عرقي سافر، تتكشف فصولها الدموية في إقليم أمهرة وتيجراي وأوروميا، مما يهدد بانهيار الدولة الوطنية بأسرها، ويخلق فراغاً أمنياً هائلاً تتكالب عليه الطامعون من كل حدب وصوب.
ولم تكتفِ أديس أبابا بهذا التصدع الداخلي، بل أصبحت مصدراً إضافياً لزعزعة استقرار الإقليم عبر سياسات عدوانية تهدف إلى فرض الأمر الواقع لايجاد منفذ بحري بالقوة، متجاوزةً قواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار وميثاق منظمة الوحدة الإفريقية. يتجلى ذلك بوضوح في محاولات فرض موطئ قدم عبر الاتفاقات المثيرة للجدل مع إقليم صوماليلاند الانفصالي للمس بسيادة الدولة الصومالية ووحدتها الأراضية، بالتوازي مع التهديدات المبطنة والصريحة الموجهة ضد دولة إريتريا ومحاولات استهداف سيادتها أطماعاً في السيطرة على ميناء عصب الاستراتيجي، وهو ما يعيد إشعال فتيل النزاعات الحدودية ويهدد بتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة من التوتر المشتعل.
وعلى وقع هذا التصدع الداخلي والتهور الجيوسياسي، تمضي إسرائيل بخطى حثيثة ومدروسة لتنفيذ استراتيجيتها التاريخية والجغرافية في المنطقة، والتي تقوم على عقيدة محاصرة العالم العربي من جنوبه وتأمين البحر الأحمر كبحيرة نفوذ استراتيجي وأمني ومائي. إن تل أبيب لا تنظر إلى القرن الإفريقي كجارة بعيدة، بل تعتبره عمقاً حيوياً ومجالاً أحيائياً لا بد من اختراقه عبر استغلال الأزمات البنيوية للدول، وبناء تحالفات استخباراتية وعسكرية واقتصادية، وتغذية النزاعات الانفصالية، وإيجاد موطئ قدم دائم على مضيق باب المندب، لضمان حرية حركة سلاحها البحري واستخباراتها، فضلاً عن السعي الحثيث لابتزاز الأمن القومي العربي في عمقه الإفريقي.
وفي سياق متصل، تحضر الولايات المتحدة الأمريكية بثقلها العسكري والدبلوماسي، محكومةً بهاجسين لا ينفصمان: احتواء التمدد الصيني الهائل، ومكافحة الإرهاب والجماعات المتطرفة التي وجدت في هشاشة دول المنطقة بيئة خصبة للتمدد. تدير واشنطن صراعها في القرن الإفريقي بمنطق الإدارة الحذرة للأزمات لا الحل الجذري لها، مستخدمة حزم المساعدات تارة والتلويح بالعقوبات تارة أخرى، ومحاولة الحفاظ على قواعدها العسكرية المتقدمة في جيبوتي ومحيطها، لضمان الهيمنة على ممرات التجارة العالمية التي تمر عبرها نسبة ضخمة من تجارة الطاقة والبضائع الدولية، حتى وإن كان ثمن ذلك استمرار نزيف الدماء وتشظي المجتمعات المحلية.
أما الصين، فإنها تدخل صراع القرن الإفريقي من بوابة الاقتصاد الاستراتيجي والمشاريع الكبرى والتمويلات الهائلة، ضمن مبادرة الحزام والطريق. لقد استطاعت بكين أن تحفر لنفسها مكانة راسخة عبر سياسة "الدبلوماسية الناعمة" والقروض الميسرة وبناء البنية التحتية، فضلاً عن إرساء أول قاعدة عسكرية بحرية لها خارج أراضيها في جيبوتي. إن الصين لا تسعى لتصدير أيديولوجيا أو الدخول في حروب بالوكالة، بل تهدف إلى تأمين خطوط إمداداتها التجارية وحماية استثماراتها الضخمة في القارة السمراء، متكئة على صمت دبلوماسي وعدم تدخل ظاهري في الشؤون الداخلية، بينما هي في الواقع تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي الدولي على حساب القوى الغربية التقليدية.
إن هذا التداخل المعقد بين تفكك الدولة الوطنية في إثيوبيا على أسس عرقية، ومغامراتها الرامية لفرض منافذ بحرية على حساب جيرانها، والأطماع الإسرائيلية الممنهجة، والتنافس الضاري بين واشنطن وبكين، يضع القرن الإفريقي على حافة الهاوية، ويحول أمن المنطقة إلى ورقة تفاوض بيد الكبار. ومن منظور قانوني وأخلاقي، فإن استمرار هذا الوضع الشاذ ينتهك ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شئونها الداخلية، كما يهدد السلم والأمن الدوليين بأسرهما. إن شعوب هذه المنطقة التي أثقلتها الحروب والمجاعات، باتت تدفع فاتورة باهظة لصراع الإرادات الدولية ولمغامرات الأنظمة المأزومة، الأمر الذي يستوجب صحوة إقليمية ودولية جادة لإرساء قواعد استقرار حقيقي ينقذ ما يمكن إنقاذه قبل ألا تنفع الندامة.

تم نسخ الرابط