بعد 143 عامًا.. حريق هائل يدمر مبنى بلدية ليموج التاريخي بفرنسا
حولت النيران مبنى بلدية مدينة ليموج الفرنسية إلى أنقاض، بعدما اجتاح حريق ضخم أجزاء واسعة من المبنى التاريخي الذي يعود إلى القرن التاسع عشر، وسط أعمال عنف وتخريب شهدتها المدينة خلال تظاهرات احتجاجية على ارتفاع تكاليف المعيشة.
واندلع الحريق مساء يوم السبت 17 أكتوبر، بعدما اقتحم أشخاص ملثمون مبنى البلدية وأضرموا النيران في داخله، مما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منه، في خسارة أثارت صدمة واسعة بسبب القيمة التاريخية والمعمارية للصرح الذي يعد أحد أبرز معالم المدينة الفرنسية.
انهيار السقف والبرج وتدمير ثلثي الواجهة
وأعلن محافظ منطقة هوت فيين، موريس بارات، أن الحريق تسبب في أضرار جسيمة بالمبنى، موضحًا أن السقف انهار فوق الطوابق السفلية، باستثناء الجناح الغربي، فيما دمر نحو ثلثي الواجهة، ووصف ما حدث بأنه «كارثة تراثية»، مؤكدًا أن الحريق نجم عن عمل تخريبي متعمد، وليس عن المشاركين السلميين في التظاهرات.
وأشار المحافظ إلى وجود أشخاص داخل المبنى لحظة اندلاع النيران، بينهم مسؤولون منتخبون وعناصر من الشرطة البلدية وموظفون، مؤكدًا عدم تسجيل إصابات بينهم.
من جانبه، أوضح رئيس بلدية ليموج، غيوم غيران، أن الرياح ساهمت في انتشار النيران، التي تسببت أيضًا في انهيار البرج المرتفع أعلى المبنى، مشيرًا إلى أن الأضرار التي لحقت بالمقر البلدي بالغة الخطورة.
5 آلاف متظاهر ومواجهات وأعمال تخريب
وشهدت المدينة مشاركة نحو 5 آلاف شخص في التظاهرات، قبل أن تتطور إلى مواجهات مع قوات الأمن وأعمال تخريب.
ووفقًا للسلطات المحلية، أضرم ملثمون النار في سيارة تابعة للشرطة البلدية أمام المبنى، ثم حطموا نوافذه واقتحموه وأشعلوا النيران بداخله.

وامتدت أعمال العنف إلى محيط مقر المحافظة، فيما تعرضت متاجر في وسط المدينة للنهب، بالتزامن مع تصاعد التوترات خلال الاحتجاجات.
مبنى بلدية ليموج.. معلم تاريخي منذ عام 1883
تتجاوز خسائر الحريق الأضرار المادية، بالنظر إلى القيمة التاريخية والمعمارية لمبنى بلدية ليموج، الذي افتتح عام 1883، بعد بدء أعمال تشييده عام 1879، وفقًا لقاعدة بيانات التراث المعماري التابعة لوزارة الثقافة الفرنسية.
وصمم المبنى المهندس المعماري ألفريد لوكلير، مستلهمًا بعض ملامحه من مبنى بلدية باريس، وجمع في واجهته الحجرية بين أنماط معمارية متعددة، إلى جانب زخارف ومنحوتات تعكس الطابع الفني للقرن التاسع عشر.
وجاء تشييد المبنى بفضل تبرع مالي تركه أحد أثرياء المدينة، يُدعى فورنييه، بعد وفاته دون ورثة.

ويتميز المبنى ببرج يبلغ ارتفاعه 43 مترًا، فضلًا عن زخارف فسيفسائية تحمل صور شخصيات بارزة ارتبطت بتاريخ المدينة، من بينها الفنان ليونار ليموزان، والمستشار هنري فرانسوا داغيسو، والسياسي بيار فيرنيو، والمارشال جان باتيست جوردان.
وأمام المدخل الرئيسي، تقع نافورة تاريخية شيدت عام 1893 باستخدام الغرانيت والبرونز والخزف، بمشاركة أساتذة وطلاب مدرسة الفنون في ليموج، المدينة التي تشتهر عالميًا بصناعة الخزف.
وتجسد النافورة 4 رموز فنية تمثل الرسم والتصوير والنحت والتشكيل على عجلة الخزاف، في انعكاس للإرث الفني والحرفي الذي تتميز به المدينة.
مبنى محمي منذ عام 1975
وتتضاعف أهمية الأضرار التي لحقت بالمبنى بسبب مكانته التراثية، إذ أدرجت السلطات الفرنسية واجهاته وأسقفه، إلى جانب النافورة الموجودة أمامه، ضمن قائمة المعالم التاريخية المحمية بقرار صدر في 15 يناير 1975.

وفي عام 2019، نفذت بلدية ليموج أعمال ترميم للواجهة الرئيسية بتكلفة بلغت نحو 960 ألف يورو، شملت تنظيف الأحجار وتجديد النوافذ، وترميم المنحوتات والزخارف الفسيفسائية والعناصر المذهبة.
وجاءت هذه الأعمال ضمن مشروع أوسع للحفاظ على المبنى التاريخي وتحسين معايير السلامة فيه، بما يشمل إجراءات الوقاية من الحرائق.
ويثير حجم الدمار الذي خلفه الحريق تساؤلات بشأن مستقبل هذا المعلم التاريخي، الذي ظل لأكثر من 140 عامًا شاهدًا على تاريخ ليموج الإداري والمعماري، وأحد أبرز رموز تراثها الثقافي.



