انشغل عدد من الكتاب بتصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن الدستور، وذهب بعضهم إلى تأكيد أنه لن يترشح في انتخابات 2030، بينما ركز آخرون على احتمالات الالتفاف على ذلك، أو على توقيت التصريحات ودلالات الاهتمام الإعلامي بها.
أما ما استوقفني في كلمة الرئيس خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، فهو ما وراء هذه التصريحات : استدعاء التاريخ، ورسائل الخارج، ثم العودة إلى الداخل لمخاطبة المصريين مباشرةً وتحميلهم مسؤولية الحفاظ على بلدهم.
استهلال الرئيس بان التحديات لم تتغير ومهما تبدلت صورتها فالجوهر واحد ، استهداف تماسك تلك الأمة ، لذلك حين استدعى الرئيس موقف عام 2012، وما ارتبط به من حديث حواره مع المشير طنطاوي عن توصيته ترك الاختيار للشعب، حتي لو اختاروا حكم الاخوان، وأن الأهم هو أن تستمر الدولة، توقفت أمام دلالة هذا الاستدعاء.
فقد بدا لي أنه يعيد طرح مبدأ يتجاوز الأشخاص والمناصب: الاهم بقاء الدولة ، والسلطة ليست غاية في ذاتها.
ومن هنا، أتساءل عما إذا كان هذا الاستدعاء يفتح الباب أمام التفكير في مرحلة جديدة بعد السيسي، مرحلة يكون معيارها الأساسي القدرة على إدارة دولة بحجم مصر، وليس مجرد الرغبة في تولي المسؤولية.
صحيح ان الرئيس لم يكشف تفاصيل مرحلة مقبلة، لكن استدعاء هذه الوقائع يدفع إلى التفكير في العلاقة بين دروس الماضي وحاضر الواقع السياسي ومستقبل ادارة البلاد ،خاصة ما ذكره صراحة عن الدستور ، حين تعهد قائلا : "دستور مصر لن يمسه أحد" ، وكأنه يغلق الباب أمام ترشحه ويفتح ابواب الاحتمالات المتوازية علي مصراعيه . . فالتحدي ليس فيمن يتقدم بل من يعرف قيمة مصر ومكانتها ..
مصر ، بتحدياتها الاقتصادية والأمنية والإقليمية، تحتاج إلى من يمتلك العلم والمعرفة والخبرة والدراسة، ومن لديه رؤية واضحة وخطط قابلة للتنفيذ لإدارة ملفات الوطن.
فالرغبة في الترشح لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع لإدارة الدولة، والنقد وحده لا يصنع بديلًا قادرًا على تحمل المسؤولية.. وهو ما أكد عليه باستدعاء لقاءاته حين كان رئيسا للمخابرات الحربية بمرشحين للرئاسة ليس لديهم اي علم او خبرة بتحديات الدولة وسبل إدارة ملفاتها..
وفي السياق نفسه، استدعى الرئيس تجربة السادات وما ارتبط بها من قرارات تتعلق بالتيار الديني، وصولًا إلى اغتياله..ولم يكن هذا الاستدعاء، في رأيي، مجرد عودة إلى واقعة تاريخية، بل تذكيرًا بأهمية تقدير المخاطر وفهم تعقيدات المشهد السياسي، وأن القرارات لا تقاس فقط بنوايا أصحابها، وإنما كذلك بعواقبها.
في جانب آخر، حملت الكلمة رسائل تتعلق بالأمن القومي المصري، وسيناء، والقضية الفلسطينية، وأمن الخليج.
كان تأكيد الرئيس أن مصر لا تحمل مطامع تجاه أحد رسالة واضحة ترد علي وزير اسرائيلي و تنفي بصورة قاطعة أي أهداف توسعية أو هجومية لمصر، وتؤكد أن أولويتها هي حماية أراضيها وأمنها القومي ومصالح شعبها.. " ارضنا معانا حاربنا علشان ناخدها وخلصت "
وهنا جدد الرئيس التأكيد على حل الدولتين، المطلب العادل الدائم ، وربط أمن الخليج بالأمن القومي المصري، في رسائل تعكس ثوابت الموقف المصري وسط اضطرابات إقليمية تتشابك فيها الحسابات الأمنية والسياسية.
خطاب الرئيس للخارج يكتسب أهمية كبري بشأن موقف مصر وحدود أهدافها، لكنه لم يتوقف عند ذلك إذ انتقل إلى الرسالة التي أراها الأهم في كلمته.
حين يستدعي الرئيس حجم المجتمع المصري، الذي يتجاوز 110 ملايين نسمة، فإنه يتحدث عن الحاضر بكل ما يحمله من تحديات، وعن مسؤولية لا يمكن أن تتحملها القيادة وحدها.
ولفت انتباهي أنه لم يكتفِ بمخاطبة النخبة السياسية أو الإعلاميين والكتّاب ، وإنما توجه إلى المصريين مباشرةً، مجددًا دعوته إلى الوعي الجماعي، وإلى إدراك المخاطر التي تحيط بالدولة.
وهنا أرى جوهر الرسالة: حماية البلد مسئولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمواطنين ، لا يمكن أن تختزل في تأييد القيادة أو الاختلاف معها.. إنها مسؤولية تتطلب من الجميع فهم التحديات والمشاركة في مواجهتها..
وكأنه يسأل من يجيد الكلام والنقد وطرح المطالب، ويطرح السؤال الذي يفرض نفسه: من يستطيع تقديم حلول حقيقية، تتضمن خططًا واضحة وقابلة للتنفيذ، وتحدد الأولويات والإمكانات والبدائل؟
فالنقد ضروري، لكن التحدي هو الانتقال منه إلى الحلول، ومن الاعتراض إلى تقديم بدائل عملية. لذلك نقل النقاش من شخص الرئيس الي "مستقبل مصر"، وهذا ما اراه كشف عن فتح مسار مرحلة سياسية مقبلة.
في حديثه الذي اعاد التأكيد علي معانيه في تخرج كلية الشرطة خاطب الخارج ليؤكد موقف مصر وثوابتها، ثم خاطب الداخل ليضع المواطنين أمام مسؤوليتهم، مجددًا دعوته إلى وعي جماعي يحمي الدولة ويساعد على استكمال مسيرتها.
هذا هو ما سمعته من الرئيس، وهذه قراءتي لما قاله، من دون أن أنسب إليه ما لم يعلنه. .فهو يحتفظ بأسباب حديثه وتوقيته، وما يتلقاه من تقارير كاشفة ، أما حقيقة ما قد يحمله المستقبل من نقلة نوعية، فالأيام وحدها ستكشفه.
لكن الرسالة التي وصلتني واضحة: مصر أكبر من الأشخاص والمناصب، مصر اكبر من اي تيار ، والحفاظ عليها مسؤولية الشعب
لذلك حرص علي اختتام حديثه بوصية :
«خلوا بالكم على بلدكم.. خلوا بالكم على مصر».