في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، استيقظ العالم على واحد من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ المعاصر.
طائرات مدنية تتحول إلى أدوات هجوم... برجا مركز التجارة العالمي ينهاران... مبنى البنتاجون يتعرض لهجوم... والولايات المتحدة تدخل بعدها مرحلة جديدة من تاريخها السياسي والأمني والعسكري.
لكن... هل كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مجرد هجوم إرهابي مفاجئ؟
أم أن هناك، سلسلة من الأحداث والتحذيرات والتدريبات والتحركات التي سبقت الهجمات، وتستحق إعادة القراءة والتحليل؟
في هذه الحلقة لا نقدم حكمًا قضائيًا، ولا ندعي أن كل ما ورد في هذه الرواية يمثل حقيقة ثابتة.
لكننا نضع أمامكم الحقيقة، ومصادرها، والأسئلة التي تثيرها.
والسؤال المركزي هو: كيف كان يمكن أن تُخطط أزمة بهذا الحجم، وأن تصبح لاحقًا أساسًا لتحولات كبرى في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط؟
أولًا: الأزمة التي كان الجميع ينتظرها
تبدأ الرواية التي بين أيدينا من نقطة زمنية لافتة... الأول من يناير عام 2001.
أي قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بثمانية أشهر تقريبًا.
فقد نُشر مقال لأحد رموز تيار المحافظين الجدد تحدث عن ضرورة وضع مخطط حرب مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتظار أزمة سياسية طارئة.
ويتضمن المقال عبارة:« الأزمات هي الفرص التي ننتظرها لإطلاق مخططاتنا».... وهنا تظهر أولى علامات الاستفهام.
إذا كانت هناك بالفعل مخططات استراتيجية سابقة على أحداث سبتمبر، فما طبيعة هذه المخططات؟
وما الأزمة التي كان يُنتظر حدوثها؟... وهل كانت الإدارة الأمريكية تبحث عن ذريعة سياسية لتغيير سياستها الخارجية؟... أم أن الأمر لا يتجاوز تصورًا استراتيجيًا عامًا سبق الأحداث، ثم جرى ربطه بها لاحقًا؟
هذه نقطة مهمة جدًا... لأن الفرق بين وجود مخطط سياسي سابق وبين التخطيط لهجوم إرهابي محدد فرق هائل من الناحية التاريخية والقانونية.
فهناك العديد من التحركات استخباراتية التي قامت بها المخابرات الامريكية والتي سبقت أحداث سبتمبر بسنوات.
ثانيًا: سوزان لنداور والاتصالات بالعراق وليبيا
تذكر هنا الأمريكية: سوزان لنداور... والتى كانت تعمل لصالح جهات استخباراتية أمريكية، وأنها تواصلت مع البعثتين الليبية والعراقية لدى الأمم المتحدة خلال منتصف التسعينيات... وأن تلك الاتصالات كانت تتم في إطار محاولة جمع معلومات، مع تسجيل المكالمات ومراقبتها.
ثم تعود القصة مرة أخرى إلى عام 2001... وتحديدًا إلى الأشهر السابقة على أحداث سبتمبر.
وهنا يتم الربط بين هذه الاتصالات وبين ما سيحدث لاحقًا... حيث تلقت لنداور رسالة من الدكتور ريتشارد فيوز (رئيسها في العمل) لنقلها إلى الوفد العراقي في الأمم المتحدة... وكان مضمون الرسالة تحذيرًا من هجوم محتمل على الولايات المتحدة... بل إن المادة تشير إلى أن الرسالة حملت تهديدات للعراق بضرورة الكشف عن أي معلومات لديه حول هجوم محتمل.
وهنا سؤال شديد الأهمية: إذا كانت أجهزة أو جهات أمريكية تملك بالفعل معلومات عن احتمال وقوع هجوم كبير... فلماذا لم يتحول هذا التحذير إلى إجراءات أمنية كافية لمنع الهجوم؟ .. وهل كانت المعلومات محددة بما يكفي؟ .. أم أنها كانت مجرد تحذيرات عامة لا يمكن بناء إجراء وقائي عليها؟
هذا السؤال سيظل حاضرًا ونحن ننتقل إلى صيف عام 2001.
ثالثًا: صيف 2001... عندما بدأت التحذيرات
لقد شهد صيف عام 2001 ارتفاعًا في التحذيرات من هجوم إرهابي محتمل.
وتشير الرواية إلى أن سيناريو الهجوم باستخدام طائرات مختطفة كان قد أصبح أكثر وضوحًا.
كما تربط المعلومات بين هذه التحذيرات وبين الهجوم السابق على مركز التجارة العالمي عام 1993.
لكن التطور الأكثر أهمية يأتي من الحديث عن تحذيرات خارجية.
فالولايات المتحدة تلقت تحذيرات من أجهزة استخبارات أجنبية، من بينها فرنسا ومصر والأردن.
وتتحدث عن تحذيرات من هجوم خطير داخل الولايات المتحدة، يمكن أن تستخدم فيه الطائرات كأسلحة.
ثم تشير إلى تحذير فرنسي، قُدم في السابع من سبتمبر 2001، أي قبل الهجمات بأيام قليلة.
هنا علينا أن نتوقف... لأن وجود تحذيرات استخباراتية قبل أي هجوم إرهابي كبير ليس أمرًا استثنائيًا في حد ذاته.... فأجهزة الاستخبارات تتلقى آلاف التحذيرات والإنذارات.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل كانت تلك التحذيرات محددة؟ .. هل تضمنت أسماء؟ .. هل حددت المطارات؟ .. هل حددت الرحلات؟ .. هل حددت التوقيت؟ ... وهل كانت المعلومات كافية لتبرير إجراءات استثنائية؟
المعلومات نفسها تشير إلى أن هذه التفاصيل لم تكن متوافرة بصورة مؤكدة.
أي أن التحذيرات كانت موجودة، لكن القدرة على تحويلها إلى معلومة عملياتية دقيقة كانت محل إشكال.
وهنا تبدأ واحدة من أكثر نقاط الملف إثارة للجدل.
رابعًا: مذكرة أغسطس... وماذا كان يعرف البيت الأبيض؟
في السادس من أغسطس 2001، تلقى الرئيس جورج بوش الابن إحاطة تتعلق بتهديدات من تنظيم القاعدة.
حيث حاول المستشار السابق ريتشارد كلارك لفت انتباه الإدارة إلى خطورة تهديدات القاعدة.
وهنا يظهر سؤال تاريخي مهم: إذا كانت الإدارة الأمريكية قد تلقت تحذيرات متكررة خلال الأشهر السابقة، فلماذا لم تتخذ إجراءات تمنع ما حدث؟
لكن يجب أن نكون دقيقين... تلقي التحذير لا يعني بالضرورة معرفة موعد الهجوم أو مكانه أو طريقة تنفيذه.
فالاستخبارات تعمل غالبًا بمعلومات ناقصة ومجزأة.. وقد تكون لديها إشارات كثيرة، لكنها لا تمتلك الصورة الكاملة.
ومع ذلك... يبقى السؤال: هل جرى التعامل مع تلك الإشارات بالجدية المطلوبة؟ ... وهل كانت هناك أخطاء استخباراتية وإدارية ضخمة؟ ... أم أن هناك شيئًا أبعد من مجرد الإخفاق؟
هنا يبدأ الخلاف الحقيقي.
خامسًا: تدريبات NORAD... صدفة أم مؤشر؟
تنتقل المعلومات بعد ذلك إلى التدريبات العسكرية التي سبقت أحداث سبتمبر.
وتشير إلى تدريبات أجرتها قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية، المعروفة اختصارًا بـ NORAD، تضمنت سيناريوهات لطائرات مختطفة تستخدم كأسلحة.
كما تشير إلى تدريب في أكتوبر عام 2000 يحاكي تحطم طائرة في البنتاجون.
وهنا يطرح النص سؤالًا: هل كانت هذه التدريبات مجرد تدريبات روتينية؟ ... أم أنها كانت تحاكي سيناريوهات قريبة بصورة لافتة مما وقع لاحقًا؟
في الدراسات الأمنية، وجود تدريب يحاكي سيناريو معين قبل وقوع حادث مشابه لا يمثل وحده دليلًا على التخطيط للحادث.
فالجيوش وأجهزة الطوارئ تتدرب أصلًا على السيناريوهات المحتملة.
لكن أهمية هذه التدريبات تأتي من اقترانها بعناصر أخرى: تحذيرات استخباراتية... حديث عن طائرات مختطفة... تدريبات تحاكي سيناريوهات مشابهة... ثم وقوع الهجمات.
وهنا تصبح القضية قضية تجميع قرائن وليس الاعتماد على قرينة منفردة.
سادسًا: هجوم البنتاجون... أسئلة لا تنتهي
ومن أكثر أجزاء الملف إثارة للجدل ما يتعلق بالبنتاجون.
فبحسب الرواية الواردة في المعلومات، كانت هناك تساؤلات حول مسار الطائرة، وحول قدرة قائدها المفترض على تنفيذ المناورة التي سبقت الاصطدام.
كما تشير المعلومات إلى اختفاء أجزاء من تسجيلات كاميرات المراقبة ومصادرة بعض الكاميرات المحيطة بالموقع.
وتتساءل: إذا كانت التسجيلات موجودة... فلماذا لم تُعرض بصورة كاملة؟
وإذا كانت الطائرة هي التي اصطدمت بالبنتاجون... فماذا تكشف التسجيلات عن لحظة الاصطدام؟
لكن مرة أخرى... علينا التمييز بين: السؤال الذي يستحق البحث... وبين: الإجابة التي تحتاج إلى دليل.
وجود ثغرة في المعلومات أو نقص في التسجيلات لا يثبت بمفرده أن الرواية الرسمية خاطئة، كما أن وجود رواية رسمية لا يعني أن جميع الأسئلة قد أُغلقت.
وهنا تكمن أهمية البحث التاريخي: أن نسأل... أن نفحص...أن نقارن... وأن نفرق بين الوثيقة، والشهادة، والتحليل، والاستنتاج.
سابعًا: شاحنات مركز التجارة العالمي
تشير سوزان لنداور الى ظهور ثلاث شاحنات بالقرب من مركز التجارة العالمي في الساعات الأولى من صباح الثالث والعشرين من أغسطس 2001.
وتشير إلى أنها كانت شاحنات غير مألوفة، وأنها ترددت على الموقع خلال عدة ليالٍ.
ثم تذكر أن تسجيلات المراقبة المتعلقة بها اختفت، وأن مصدرًا ادعى أن تلك الشاحنات كانت تنقل متفجرات.
هذه من أخطر الادعاءات التي يوردها النص... ولذلك ينبغي التعامل معها بمنهجية شديدة الحذر.
لأن الادعاء بوجود متفجرات أو تفخيخ متعمد لمركز التجارة العالمي يحتاج إلى أدلة مادية مستقلة وقابلة للفحص... ولا يكفي أن يقول مصدر إنه شاهد تسجيلات أو عرف بما حدث.
في القضايا الكبرى... لا يكفي السؤال:«ماذا قيل؟» بل يجب أن نسأل: «ما الدليل؟» .. ومن أين جاء؟... وهل يمكن التحقق منه؟ ... وهل تؤيده مصادر مستقلة؟
ورغم ذلك فهناك العديد من المحللين أكدوا على أن تفجير برجى التجارة العالمى كان من الداخل الى الخارج بما يؤكد وجود تلغيم مسبق للبرجين ... وبما يتفق مع رواية سوزان لنداور.
ثامنًا: ماذا حدث بعد 11 سبتمبر؟
بعد هجمات سبتمبر دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة.
الحرب على الإرهاب... الحرب في أفغانستان... ثم الحرب على العراق... وتوسعت صلاحيات أجهزة الدولة في المراقبة والتحقيق.
ونشير هنا إلى قانون «باتريوت» الذي صدر بعد الهجمات، والذي منح السلطات الأمريكية صلاحيات واسعة في مجال المراقبة وجمع المعلومات.
وهنا تظهر القضية الأوسع: حتى إذا اختلفنا حول تفسير أحداث 11 سبتمبر... فلا يمكن إنكار أن الهجمات أحدثت تحولًا هائلًا في النظام الأمني والسياسي الأمريكي.
السؤال إذن ليس فقط: من نفذ الهجوم؟.. بل أيضًا: كيف استُخدم الهجوم سياسيًا واستراتيجيًا بعد وقوعه؟
وهل كانت القرارات التي اتخذت بعد سبتمبر متناسبة مع الخطر؟.. أم أنها شكلت نقطة انطلاق لمشروع جيوسياسي أوسع؟.... هذه أسئلة سياسية وتاريخية مفتوحة على البحث والنقاش.
ولكن الحقيقة المؤكدة التي وثقتها سوزانا لندور في كتابها "عندما تصبح الحقيقة خيانة" وفى حوار لها على قناة "روسيا اليوم" من أنها منعت من الادلاء بأقوالها امام القضاء بشأن هجمات 11 سبتمبر وتعرضها لمحاولتى اغتيال ثم أعتقالها وأخيراً السماح لها بالادلاء بأقوالها في جلسة سرية ووضع أقوالها داخل مظروف وتجميعة ومُنع الاطلاع عليه الا بموافقة من الرئيس الامريكى بإعتبار أن تلك المعلومات تمس الامن القومى.
في نهاية هذه الحلقة... ربما لا تكون أخطر الأسئلة هي التي نملك لها إجابات جاهزة.
بل تلك التي تجبرنا على العودة إلى الوثائق... إلى التواريخ... إلى محاضر التحقيق... إلى شهادات المسؤولين... وإلى الأدلة المادية.
إن رواية المؤامرة تحتاج إلى دليل.
والرواية الرسمية أيضًا يجب أن تبقى قابلة للفحص العلمي والتاريخي.
وبين الروايتين... تبقى الحقيقة هي الهدف.
الحادي عشر من سبتمبر لم يكن مجرد يوم عابر في التاريخ.
لقد كان نقطة تحول غيّرت السياسة الأمريكية، وأعادت تشكيل مفهوم الأمن، وأطلقت حروبًا وأزمات امتدت آثارها إلى الشرق الأوسط والعالم كله.
والسؤال الذي يظل مفتوحًا: هل فهمنا حقًا كل ما حدث في ذلك اليوم؟
أم أن بعض الملفات... لا تزال تنتظر من يفتحها؟
فإن السؤال الحاسم يبقى: أين الدليل المباشر؟
لأن الشك قد يفتح باب البحث... لكن الوثيقة وحدها تستطيع أن تغلق باب الجدل.
الحلقة القادمة بعنوان الدور الذى لعبته إسرائيل في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر.