عاجل

لم تعد معركة الوعي جبهة موازية لمعركة حماية الوطن، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي، في عالم تستخدم فيه الشائعات والمعلومات المضللة أدوات للتأثير في استقرار الدول وتماسك مجتمعاتها، وأصبحت الحروب الحديثة لا تستهدف الأرض وحدها، بل تمتد إلى عقول المواطنين، وتسعى إلى تشكيل تصوراتهم عن واقعهم ومستقبلهم، وتعزيز قدرتهم على فهم التحديات والتعامل معها، وهو ما يجعل الوعي خط دفاع أساسيا في مواجهة محاولات الإرباك والتضليل.

تحذيرات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر المجيدة، تكتسب أهمية خاصة، لأنها تضع قضية الوعي في قلب المسؤولية الوطنية، وتؤكد أهمية إدراك طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المصرية في مرحلة تتداخل فيها التطورات الإقليمية مع التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، المعلومات لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبحت عنصرا مؤثرا في تشكيل الرأي العام وفهم الأحداث، وأداة تتطلب التعامل معها بقدر كبير من الوعي والمسؤولية.

وتكمن خطورة هذه المعارك في سرعة انتشار المعلومات وصعوبة اكتشاف بعض أدوات التضليل؛ صورة مزيفة، أو مقطع مصور مجتزأ، أو خبر مجهول المصدر، قد يثير القلق ويصنع انطباعات لا تستند إلى معلومات مكتملة، ومع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت عملية إنتاج محتوى صوتي ومرئي تبدو واقعية أكثر سهولة، بما يفرض على المجتمع تطوير قدرته على التحقق والتمييز بين الحقيقة والتزييف، ولم يعد كافيا أن تكون المعلومة متداولة على نطاق واسع حتى تعامل باعتبارها حقيقة، بل أصبح السؤال عن مصدرها وسياقها ودقتها ضرورة لحماية الوعي العام.

وتزداد أهمية الوعي في ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات متلاحقة، تفرض على الدول والمجتمعات قدرا كبيرا من اليقظة والقدرة على قراءة الأحداث في سياقها الصحيح، فهم التطورات الإقليمية، وإدراك انعكاساتها المحتملة على الاقتصاد والطاقة والتجارة وحركة الملاحة، يساعد المواطنين على تكوين رؤية أكثر اتزانا، ويمنحهم القدرة على التعامل مع الأخبار المتداولة بعيدا عن التسرع أو الانفعال، كما أن الوعي بطبيعة المصالح الوطنية يجعل المواطن أكثر إدراكا لأهمية الحفاظ على استقرار الدولة وتماسك المجتمع في مواجهة المتغيرات.

وتقدم ذكرى انتصارات أكتوبر درسا مهما في هذا الشأن؛ فقد كان النصر ثمرة إعداد طويل وتخطيط دقيق وإرادة وطنية استطاعت تحويل آثار الهزيمة إلى دافع لاستعادة الأرض والثقة، ولم يكن العبور إنجازا عسكريا فحسب، بل تجسيدا لقدرة المصريين على الاستعداد والعمل من أجل هدف وطني واضح، في إطار من التنسيق والتكامل بين مؤسسات الدولة والشعب، واليوم، تظل روح أكتوبر مصدرا لاستلهام قيم الإرادة والتخطيط والتماسك، وتذكيرا بأن تجاوز التحديات يحتاج إلى الثقة في القدرة على العمل، وإلى وعي يدرك طبيعة المرحلة ومتطلباتها.

إن استلهام روح النصر في معركة الوعي يعني أن تكون المعرفة أساسا للموقف، وأن يكون التحقق جزءا من السلوك اليومي، وأن يدرك كل مواطن أهمية دوره في حماية المجال العام من المعلومات غير الدقيقة، التعامل المسؤول مع وسائل التواصل الاجتماعي يبدأ من التحقق قبل التصديق، و التريث قبل إعادة النشر، وعدم بناء المواقف على عناوين مثيرة أو مقاطع أخرجت من سياقها، وكلما ارتفعت قدرة المواطنين على التفكير والتحليل، أصبح المجتمع أكثر استعدادا للتعامل مع الأخبار المتداولة، وأكثر قدرة على التمييز بين الوقائع والتفسيرات.


يظل بناء الوعي الوطني مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار مؤسسات الدولة والإعلام والأسرة والمدرسة والجامعة والأحزاب والقوى المجتمعية، المؤسسات التعليمية تسهم في تنمية مهارات البحث والتحليل، والإعلام يؤدي دورا مهما في تقديم المعلومات الدقيقة وشرح الأحداث، بينما تساعد الأسرة على غرس قيم المسؤولية والانتماء واحترام الحقيقة لدى الأجيال الجديدة، كما أن إتاحة المعلومات الواضحة والتواصل المستمر مع المواطنين يعززان الثقة، ويساعدان على بناء فهم مشترك للتحديات والفرص التي تواجه الدولة.


وتظل مشاركة المواطن الواعي عنصرا أساسيا في هذه المنظومة؛ كل فرد يستطيع أن يسهم في نشر المعرفة الصحيحة، وأن يتعامل بمسؤولية مع ما يصل إليه من معلومات، وأن يعزز ثقافة الحوار والفهم داخل محيطه الاجتماعي، ولا ينفصل الوعي الوطني عن العمل والإنتاج والمشاركة الإيجابية، لأن حماية الوطن لا تقتصر على إدراك المخاطر، بل تشمل أيضا المساهمة في بناء المستقبل، واحترام القانون، والحفاظ على مقدرات الدولة، وتعزيز قيم التعاون والتكافل بين أبناء المجتمع.

إن معركة الوعي امتداد لمعنى أكتوبر، حيث تظل الإرادة الوطنية والتخطيط والعمل المشترك ركائز أساسية لمواجهة التحديات، وفي ذكرى الانتصار، تتجدد أهمية بناء مجتمع يمتلك أدوات الفهم والتحليل، ويستند إلى المعرفة في تكوين مواقفه، ويدرك أن قوة الدولة ترتبط بوعي مواطنيها وتماسكهم وقدرتهم على العمل من أجل أهداف مشتركة .

إنها معارك صامتة لا تسمع فيها أصوات المدافع، لكنها تؤثر في حاضر الأوطان ومستقبلها؛ والانتصار فيها يبدأ بالحقيقة، ويتعزز بالوعي، ويكتمل بالانتماء والعمل والمسؤولية الوطنية.

تم نسخ الرابط