تتجلى “نعمة التوفيق الإلهي”نعمة التوفيق الإلهي من الله في طريق السلوك إلى الله باعتبارها القاعدة الأساسية لتوازن السالك إلى ربه بين بذل الجهد بالحركات والسكنات ، وبين الانكسار اللطيف بين يدي الحق سبحانه ، إذن ، فكيف تجد نفسك وأنت تخوض معترك حياتك محفوفا بنفحات إلهية تفتح لك مغاليق الأمور وتيسر لك الطاعات بغير عناء؟ وكيف تشعر بتلك اليد الحانية الخفية التي تنشلك من حيرة الشتات إلي نور السداد والتوفيق من الله ؟ وهل التوفيق مجرد لحظة عابرة تأتي خطفا، أم أنه سر سار ونور يقذفه الله في قلب عبده ليجمعه عليه في قوله وعمله وحركته وسكونه؟ فالعبد مهما أوتي من بيان كلام ، وسحر فكر ، وذكاء طبع ، يظل فقير المحتد إلى هذه العناية الربانية، إذ لا ينفع الذكاء والجهد ما لم يتوجا بمدد إلهي يتنزل على القلب ، فيحيل القليل من العمل إلى بركة دائمة ، وأثر موصول، ولسان صدق ، يتجاوز بالإنسان حد القصور المادي ليلحقه بعوالم الفضل والرحمة ، من خلال مقام أخرجني من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك.
و حين نلج إلى بواطن مفهوم نعمة التوفيق الإلهي بوجدان يتسم بالصفاء والتحليل العلمي الرشيد، نرى أن مقام التوفيق يبدأ من شهود العبد لفقره الماحق وعجزه التام في الحضرة الإلهية ، فالإنسان حين يدرك ضآلة قدرته وعجز عقله عن الإحاطة بدقائق المآلات ولطائف القضاء، يخلع عن كاهله رداء الدعوى والاعتماد على النفس، فتشرق في قلبه أنوار التفويض والتسليم والتوكل ، وهنا يتنزل التوفيق كنفحة رحمانية تجعل مراد العبد تبعا لمراد مولاه، فتساق إليه أسباب الخيرسوقا مقدورا، وتنعطف إرادته الشائقة نحو المعالي بغير تكلف، مستحضرا في كل خطوة مقالة نبي الله شعيب عليه السلام حين أعلن هذا المبدأ الخالد: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. فيسير العبد في حياته مطمئنا، متحررا من قيد الحرص والتكالب، وناظرًا إلى الأسباب بصفتها ظواهر يستأنس بها بينما قلبه عاكف في محراب المسبب سبحانه، وهذا الشهود لا يدعو إلى التواكل، بل يبث في الروح طاقة حثيثة تعمره بالجد والعمل الصالح دون أن يتملك النفس غرور الإنجاز.
وتتجلى أبهى صور هذه النعمة وأكمل مظاهرها في سيد الوجود وحبيب الحق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقد أمده مولاه بتوفيق مطلق أحاط بحياته الشريفة وأحواله كلها، كما جاء في التنزيل العزيز توثيقا لهذا التيسير الإلهي: { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى } [الليل: 5-7]، فانظر كيف جمع الله له بين يتم نشأته وقلة ناصره في البدايات، وبين أن جعل دعوته النور الذي أضاء أركان المعية والحضارة؟ إنه التوفيق الإلهي الخفي الذي حف به رب العزة نبيه، فكان مسددا في كل لحظة وفكرة وحركة، ومعصوما من العثرات، ومصروفا عن منغصات النفوس ودنس الجاهلية، فما ألقى كلمة إلا وكانت هداية للقلوب، وما سلك مسارا إلا وانفتحت له فيه أبواب الفتح والقبول، حتى غدت حياته الشريفة صورة حية لشهود الفقر المطلق لله مع السيادة الكاملة في الأرض، وليبقى النموذج الأتم الذي يستمد منه السالكون إلى الله أنوار السداد والتوفيق، ويتأسى به كل راغب في استمطار هذه النفحات.
ويتسع هذا الأفق الذوقي والتحليلي لنشاهد أثر نعمة التوفيق وهي تظلل حركة الفرد وأحوال الأمة على حد سواء. إن غياب هذا المفهوم عن الوعي الإنساني المعاصر أورث النفوس شقاء وقلقا كبيرا، بعدما ظن الإنسان أن قوة معارفه وأدواته المادية تكفيه لقطع شوط الحياة بسلام، واستغرق في حسابات المعاملات والأرقام متغافلا عن قيومية الحق سبحانه وتعالى ، وعلى خلاف ذلك، يعلمنا الفكر الرشيد والسلوك الصافي أن التمكين الحقيقي والسكينة الكبرى إنما ينبعان من روح التوفيق التي تبث السر والبركة في السعي البشري، مصداقا لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ" [أخرجه مسلم في صحيحه]، فالإنسان الموفق هو من تعمرت أوقاته بالأنوار، فصار كل عمل يعمله، وكل حرف يكتبه، نبعا للجمع على الخير ونشر الرحمة بين الخلق، متجاوزا بذلك حدود الإمكانات الظاهرة ليحقق نفعا ممتدا يتجاوز حسابات الأرقام والماديات، ويترك في جدار الزمان أثرا طيبا يمتد نفعه وأكله في الدنيا والآخرة.
ولكي يستقر هذا المعنى الإيماني في السلوك، فإن طريق استمطار التوفيق يتطلب معالم عملية واضحة يتعهدها العبد بالرعاية والاهتمام، فأول هذه المعالم هو تصفية القصد وتطهير السرائر من علل الظهور ومآرب النفس، فعلى قدر طهارة القلب تتنزل الإمدادات الإلهية ويتسع مدخل النور، وثاني المعالم هو استجماع الطاقة في إتقان العمل وإحكام الأسباب طاعة للأمر الرباني بالاستخلاف والعمارة ، وأما ثالثها فهو المداومة على الانكسار في الخلوات، ولهج اللسان بدعاء السداد والهداية كما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال له: "قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي" [أخرجه مسلم في صحيحه]، ورابع هذه المعالم هو الوفاء بعهود الطاعة والتخلق بأخلاق الشكر والاعتراف بالفضل لمن أسدى النعم، بهذه المعالم يكتمل انسجام الجوارح مع حركة القلب، فيصل العبد إلى حالة السداد المستمر في الفكر والقول والعمل، وتنفتح له مغاليق الحكمة واليسر في كل أمر يقصده.
وفي ختام هذه السياحة الفكرية والسلوكية، تتضح لنا نعمة التوفيق بصفتها البوصلة الإيمانية التي تعصم السالك من التردي في أودية القلق والشتات الفكري، فهي المفهوم الحاضن الذي ينظم حركة العبد في هذا الكون، ويضعه في موضعه الصحيح عبدا محبا ومستسلما لعظمة ربه ، وحين يستحضر المرء هذا السر في غدوه ورواحه، وتستعيد الأمة ارتباطها بمصادر هذا المدد مع الأخذ بأسباب العلوم والعمارة، فإن أحوالها تستقيم وتستأنف أداء رسالتها الحضارية بنور وبصيرة ، فيغدو العلم حينئذ هداية، والسعي قربة، والعمل إحسانا متقبلا، وتفتح للسالكين أبواب الفضل التي تعيد للنفس أنسها وللإنسانية رشدها، إنها العطية الربانية التي لا يوازيها شيء، والسر الخفي الذي يسبغ على الوجود رونقه ويمنح الحياة دافعيتها الكبرى ونهايتها السعيدة، فهل من طالب ومشمرًا لنعمة التوفيق من الله؟