خطة سرية أسقطتها.. اللواء محمد رشاد يكشف كيف انتهت حكاية الجاسوسة هبة سليم
كشف اللواء محمد رشاد، وكيل المخابرات العامة الأسبق، عن قضية الجاسوسة هبة سليم، تفاصيل العملية التي انتهت بالقبض عليها، موضحا كيف بدأت خيوط القضية برسائل مكتوبة بالحبر السري تحمل معلومات عسكرية شديدة السرية، قبل أن تقود التحريات إلى تحديد هوية الشخص الذي يمرر تلك المعلومات، ثم الكشف عن دور هبة سليم في نقلها إلى جهاز المخابرات الإسرائيلي.
وأوضح خلال لقاء ببرنامج «صباح البلد»، أن القضية تعرف باسم «قضية القرن»، نظرا إلى خطورة المعلومات التي جرى تسريبها، مشيرا إلى أن هبة سليم كانت من بين القضايا التي كشفت حجم الأضرار التي يمكن أن يتسبب فيها التجسس على المعلومات العسكرية المصرية.
رسائل بالحبر السري تكشف خيوط القضية
وقال المتحدث إن بداية اكتشاف القضية كانت من خلال مجموعة من الرسائل المكتوبة بالحبر السري، التي تضمنت معلومات تفصيلية ذات درجة عالية من السرية، لافتا إلى أن الجهة التي تلقت الرسائل لم تكن تعرف في البداية هوية الشخص الذي يرسل هذه المعلومات أو الجهة التي يتواصل معها.
وأضاف أن فحص الرسائل كشف أن المعلومات الواردة بها مصنفة ضمن درجة «سري للغاية»، موضحا أن التعامل مع هذه الدرجة من المعلومات يخضع لإجراءات محددة، تشمل تحديد الأشخاص المصرح لهم بالاطلاع عليها، وتسجيل أسمائهم، والتوقيع على نماذج تفيد اطلاعهم على الوثائق، ثم إعادتها إلى أماكن حفظها المخصصة.
وأشار إلى أن طبيعة المعلومات المسربة دفعت إلى التركيز على البحث عن الشخص الذي ينقلها، موضحا أن تحديد المعلومة العسكرية المسربة يساعد في تحديد نطاق البحث عن مصدرها، ومن ثم الوصول إلى الشخص الذي يتولى تمريرها.
وتابع أن التحريات حددت سبعة مكاتب تتعامل مع المعلومات المصنفة «سري للغاية»، وبدأت الجهات المختصة متابعة الأشخاص الذين يمكن أن تكون لهم صلة بتسريب هذه المعلومات، بالتنسيق مع فرع الأمن الحربي، للحصول على الأذون اللازمة لمتابعتهم.
كيف قادت التحريات إلى هبة سليم؟
وأوضح المتحدث أن أحد الأشخاص الذين شملتهم التحريات كان ضابطا يدعى في التسجيل «فرق الفئة»، مشيرا إلى أن رئيس فرع الأمن الحربي لم يكن يتوقع الاشتباه فيه، ووصفه بأنه شخص مزاجي لا يمكن أن يكون موضع شبهة، إلا أن إجراءات المتابعة استمرت وفقا لما تكشفه التحريات.
وأضاف أن نقطة التحول جاءت عندما سافر الضابط إلى الإسكندرية، وتلقى خطابا على عنوان المراسلة الذي كانت تستخدمه مجموعة التجسس، وتضمن الخطاب رسالة تشير إلى رغبة الطرف الآخر في لقائه، مع الإشارة إلى أن المرسل كان يتمنى وجوده معه في الإسكندرية.
وقال إن متابعة هذه المراسلات قادت إلى تحديد الطرف الآخر، الذي تبين أنه هبة سليم، لتبدأ مرحلة جمع المعلومات المتعلقة بها، والتعرف على كيفية تجنيدها للعمل لصالح جهاز المخابرات الإسرائيلي.
خطة بالتعاون مع المخابرات الليبية للقبض عليها
وأوضح المتحدث أن هبة سليم كانت موجودة في باريس عندما بدأت المجموعة المختصة بمكافحة التجسس البحث عن وسيلة لإعادتها إلى مصر والقبض عليها، مشيرا إلى أن والدها كان يعمل في ليبيا، وهو ما أتاح الاستعانة بالتعاون القائم آنذاك بين أجهزة المخابرات المصرية والليبية.
وأضاف أن المجموعة عرضت تفاصيل القضية على الجانب الليبي، وجرى وضع خطة لاستدراج هبة سليم إلى ليبيا، مستغلين علاقتها بوالدها وإمكانية إقناعها بأنه مريض ويحتاج إلى رؤيتها.
وقال إن هبة سليم حاولت التواصل مع والدها بعد أن علمت بوجوده في المستشفى، لكن جهاز المخابرات الإسرائيلي شك في الأمر في البداية، ولم يوافق على سفرها، فعادت إلى قاعدة عملها في باريس.
وتابع أن المخابرات الإسرائيلية أرسلت طبيبا لبنانيا للتحقق من الحالة الصحية لوالدها، وبعد إعداد تقرير يؤكد مرضه، وافقت على سفرها، وجرى ترتيب خط سير طويل يبدأ من باريس مرورا بروما ثم ليبيا، بهدف إبعاد الشبهات عن العملية.
وأوضح أن الخطة نفذت بالتنسيق مع المخابرات الليبية، التي تولت التعامل مع الطائرة التي وصلت بها هبة سليم، وجرى توجيه تعليمات إلى برج المراقبة بعدم السماح بإقلاعها وفقا لما تضمنته الخطة، ثم صعد أفراد الجهة المختصة إلى الطائرة وأبلغوها أنهم جاءوا من طرف والدها لنقلها إليه.
وأضاف أن هبة سليم نزلت من الطائرة، واستقلت سيارة تابعة للمخابرات الليبية بدلا من التوجه إلى بوابة المطار، لتنتهي العملية بوصولها إلى مصر، حيث أصبحت في حوزة المخابرات المصرية.
زيارات إلى إسرائيل ومعلومات عسكرية
وأشار المتحدث إلى أن هبة سليم زارت إسرائيل تسع مرات، وفقا لروايته، وكانت تتحرك هناك بصورة طبيعية، لافتا إلى أنها خضعت لما وصفه بعملية غسل مخ، شملت زيارة قواعد جوية إسرائيلية والاطلاع على طائرات عسكرية، من بينها طائرات ميج-21 وفانتوم، وإجراء مقارنات بينها.
وأضاف أن تلك الزيارات استهدفت التأثير في تقديراتها بشأن القدرات العسكرية المصرية، موضحا أن المعلومات التي قدمتها خلال عملها كانت ذات أهمية، وأن القبض عليها أتاح للجهات المصرية الاطلاع على جوانب من نشاطها واتصالاتها.
ماذا قالت هبة سليم قبل إعدامها؟
وتطرق المتحدث إلى ما ذكره بشأن اللقاء الأخير مع هبة سليم، قائلا إنها كانت تدرك أنها ستواجه حكم الإعدام، ونقل عنها قولها إنها تعرف أنها ستعدم، لكنها اعتبرت ما قامت به «واجبا وطنيا».
وأضاف أنه اعترض على وصفها لما فعلته بأنه واجب وطني، وسألها عن المقصود بذلك، مشيرا إلى أنها تحدثت، عن ضرورة عدم خوض الحرب مع إسرائيل، وعن عدم محاولة عبور قناة السويس، محذرة من الخسائر البشرية وما قد يترتب على الحرب من أرامل وأيتام.
كما نقل عنها أنها قالت إنها احترمت الضابط الذي تعاملت معه أكثر من بعض العاملين في السفارة المصرية في باريس، وهو ما اعتبره المتحدث جزءا من حديثها خلال اللقاء الأخير.