عاجل

 

في السادس من أكتوبر لا تستعيد مصر ذكرى حرب فقط وإنما تستعيد لحظة تاريخية أعادت صياغة معنى الإرادة الوطنية. ففي عام 1973 عبرت القوات المسلحة المصرية قناة السويس واقتحمت خط بارليف وأقامت رؤوس الكباري على الضفة الشرقية في عملية عسكرية قامت على التخطيط والاستعداد والمفاجأة وحسن استخدام الإمكانات المتاحة. وتوثق وزارة الدفاع المصرية تفاصيل العبور واقتحام التحصينات وإدارة العمليات حتى وقف إطلاق النار.
لكن عظمة أكتوبر لا تختصر في عبور قناة السويس ولا في تحطيم الساتر الترابي ولا في رفع العلم المصري على الضفة الشرقية. فالمعنى الأعمق للنصر أن مصر استطاعت أن تنتقل من واقع الهزيمة وآثارها إلى إعادة بناء القدرة والثقة وأن تحول سنوات الألم إلى إعداد وتخطيط واستعداد.
لقد كان أكتوبر درسًا في أن الدول لا تنتصر بالأمنيات وإنما بالعمل المنظم. فبعد حرب يونيو 1967 بدأت عملية إعادة بناء القوات المسلحة، وإعادة تنظيمها وتسليحها وتدريبها ثم جاء التخطيط الاستراتيجي للمعركة باعتباره عنصرًا حاسمًا في تحقيق الهدف وتشير وثائق وزارة الدفاع إلى أن التخطيط للحرب شمل التوجيه السياسي والعسكري وإعداد القوات وخطط العمليات والتنسيق بين مختلف عناصر القوات المسلحة.

وهنا يظهر أول درس من دروس أكتوبر لا يمكن مواجهة التحديات الكبرى بعقلية رد الفعل فالدول التي تريد حماية مصالحها وصناعة مستقبلها تحتاج إلى رؤية واضحة وأهداف محددة ومؤسسات قادرة على تحويل الرؤية إلى خطط قابلة للتنفيذ.

والدرس الثاني هو الثقة في الإنسان المصري. فالمقاتل الذي عبر القناة لم يكن يمتلك بالضرورة كل عناصر التفوق الماده لكنه امتلك التدريب والانضباط والإيمان بالمهمة ولذلك فإن الاستثمار في الإنسان يجب أن يظل قضية أمن قومي سواء كان الحديث عن الجندي أو الطبيب أو المهندس أو المعلم أو العامل أو الباحث.

أما الدرس الثالث فهو أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا وقت الأزمات وإنما مصدر قوة حقيقي للدولة. فقد وقف الشعب خلف قواته المسلحة، وأصبح الهدف الوطني الجامع أكبر من أي خلاف أو انقسام وقد وصفت الرئاسة المصرية حرب أكتوبر بأنها تعبير عن إرادة الأمة ووحدة الشعب وأنها فتحت الطريق لاستعادة الأرض وإقامة السلام.

والدرس الرابع أن النصر العسكري يجب أن يتحول إلى مكاسب سياسية واستراتيجية. فوقف إطلاق النار ومباحثات فض الاشتباك التي أعقبت الحرب شكلت مرحلة من مراحل المسار الذي انتهى لاحقاً  باستعادة مصر لسيادتها على سيناء وتوضح وثائق وزارة الدفاع أن مباحثات الكيلو 101 واتفاقات فض الاشتباك كانت مرحلة في طريق إقامة سلام دائم
لكن ربما يكون أهم دروس أكتوبر بالنسبة لمصر اليوم هو أن المعركة تغيرت لكن مبدأ العبور لم يتغير
لم تعد التحديات التي تواجه الدول محصورة في ساحات القتال فهناك معارك الاقتصاد والتعليم والصحةوالتكنولوجيا والأمن الغذائي والمائي ومواجهة الشائعات وبناء الوعي وتحسين مستوى المعيشة ورفع كفاءة مؤسسات الدولة.

وكما لم يكن عبور قناة السويس ممكنًا دون تخطيط وتدريب وإرادة فإن عبور مصر إلى مرحلة تنموية أكثر قوة يحتاج إلى المنهج نفسه: تحديد الأولويات حسن إدارة الموارد الاعتماد على العلم إطلاق طاقات الشباب ومواجهة المشكلات بشجاعة بدلًا من تأجيلها.
إن الاحتفال بأكتوبر لا ينبغي أن يكون احتفالًا بالماضي فقط بل يجب أن يكون سؤالًا للمستقبل ماذا تعلمنا من الذين صنعوا النصر؟
تعلمنا أن المستحيل قد يصبح ممكنًا عندما تتوافر الإرادة والعلم والتخطيط. وتعلمنا أن الهزيمة ليست نهاية التاريخ وأن الدول تستطيع أن تعيد بناء قدراتها إذا امتلكت الرؤية والصبر والانضباط.

ولهذا ستظل حرب أكتوبر أكبر من معركة في التاريخ العسكري المصري ستظل مدرسة في الإرادة الوطنيةورسالة إلى كل جيل بأن الأوطان لا تبنى بالكلام ولا تحمى بالشعارات وإنما بالعمل والعلم والتخطيط والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.
رحم الله شهداء أكتوبر وحفظ مصر وجعل من أمجاد العبور قوة تدفعنا إلى عبور جديد من تحديات الحاضر إلى مستقبل أكثر قوة واستقرارًا وازدهارًا.

تم نسخ الرابط