حينما تصل الأزمات الداخلية إلى مرحلة تستدعي نزول الجيش إلى الشوارع فإن السؤال لم يعد متعلقاً بحجم الاحتجاجات وحدها بل بقدرة الدولة على حماية مؤسساتها والحفاظ على الأمن دون أن تدفع المجتمع إلى مزيد من الانقسام فالدول الكبرى ليست محصنة ضد الأزمات والشعارات البراقة لا تمنح أحداً حصانة من غضب الشارع وفرنسا التي طالما تحدثت عن الديمقراطية والحريات واستقرار المؤسسات ليست استثناءً من هذه القاعدة
فهى الدولة التى قدمت نفسها باعتبارها إحدى قلاع الديمقراطية الأوروبية تواجه بين الحين والآخر اضطرابات اجتماعية واحتجاجات حادة تكشف حجم التوترات داخل المجتمع الفرنسي وبين الغضب الشعبي والضغوط الاقتصادية والتحديات الأمنية تجد الحكومات الفرنسية نفسها أمام معادلة صعبة كيف تحافظ على هيبة الدولة وتصون حق المواطنين في الاحتجاج وتمنع في الوقت نفسه تحول الشوارع إلى ساحات للمواجهات والفوضى ففي السياسة هناك العديد من المشاهد التى تستحق التوقف أمامها طويلاً ليس لأنها تعني بالضرورة سقوط دولة أو انهيار نظام ولكن لأنها تكشف حجم التحديات التي تواجهها الحكومات عندما تتراكم الأزمات وتتسع الفجوة بين حسابات السلطة ومطالب المجتمع ويصبح الحفاظ على الاستقرار مهمة أكثر تعقيداً من مجرد إصدار القرارات أو إطلاق التصريحات
فنزول الجيش إلى الشارع يحمل دلالات تتجاوز المشهد الأمني فالجيش ليس بديلاً طبيعياً عن الشرطة ولا ينبغي أن يصبح التعامل العسكري مع الأزمات الاجتماعية هو الخيار الأول لكن مجرد طرح هذا الاحتمال يفتح الباب أمام تساؤلات مهمة بشأن طبيعة الأزمة وحدود قدرة المؤسسات المدنية على احتوائها لكن الإنصاف يقتضي أن نكون واضحين لا يجوز الجزم بأن الجيش الفرنسي نزل إلى الشوارع لأن الأوضاع خرجت عن السيطرة دون أدلة موثوقة تثبت ذلك فالاحتجاجات مهما اتسع نطاقها لا تعني وحدها انهيار الدولة كما أن انتشار القوات العسكرية قد يرتبط بمهام محددة لتأمين المنشآت الحيوية وليس بالضرورة بمواجهة المتظاهرين فالدول القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام بل بقدرتها على منع الأزمات من الوصول إلى نقطة الانفجار فالقوة الحقيقية تكمن في مؤسسات قادرة على الاستجابة لمطالب المواطنين وفي سياسات اقتصادية واجتماعية تخفف الاحتقان وفي منظومة أمنية تعمل وفق القانون وتحمي المجتمع دون المساس بحقوقه الأساسية ولقد أثبتت التجارب أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية قادرة على وضع أكثر الحكومات استقراراً أمام اختبارات صعبة فارتفاع تكاليف المعيشة والقلق بشأن المستقبل وتراجع الثقة في المؤسسات والخلافات حول السياسات العامة كلها عوامل قد تدفع قطاعات من المجتمع إلى التعبير عن غضبها في الشوارع
وعندما تتكرر الاحتجاجات وتتسع المواجهات تجد الحكومات نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة كيف تحافظ على الأمن دون أن تزيد الاحتقان وكيف تحمي الممتلكات العامة والخاصة دون أن تتحول إجراءاتها إلى سبب إضافي لتصاعد الأزمة فى المقابل لا يجوز الخلط بين الاحتجاجات الشعبية المشروعة وبين أعمال العنف والتخريب كما لا يصح اعتبار كل أزمة داخلية دليلاً على انهيار الدولة ففرنسا تمتلك مؤسسات راسخة وأي تقييم جاد لما يجري فيها يجب أن يستند إلى الوقائع الموثقة لا إلى مقاطع متداولة أو عناوين مثيرة توحي بأن البلاد فقدت السيطرة قبل التحقق من حقيقة الأحداث هنا تظهر قيمة الدولة الحقيقية فليست القوة في عدد الجنود الذين يمكن نشرهم ولا في حجم المعدات التي تمتلكها الأجهزة الأمنية وإنما في قدرة المؤسسات على منع الخلافات من التحول إلى صدام مفتوح وفي امتلاك الحكمة السياسية التي تجعل القانون وسيلة لحماية المجتمع لا مجرد أداة لاحتواء الغضب بالقوة
فالجيش مؤسسة وطنية مهمتها الأساسية الدفاع عن البلاد وحماية أمنها وفق الدستور والقانون أما التعامل مع الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية فيبقى في الأصل من مسؤوليات أجهزة إنفاذ القانون ضمن الضوابط القانونية المقررة
ولهذا فإن اللجوء إلى الجيش في مهام داخلية عندما تسمح القوانين بذلك ينبغي أن يكون محدداً ومتناسباً مع طبيعة التهديد وألا يتحول إلى بديل دائم عن الحلول السياسية والاجتماعية
فإذا اضطرت دولة إلى توسيع الدور العسكري في شوارعها فإن السؤال المنطقي لا يكون عن قوة الجيش وحدها بل عن الأسباب التي أوصلت الأزمة إلى هذه المرحلة وعن مدى نجاح الحكومة في معالجة جذورها قبل أن تتفاقم
ومع ذلك فإن ما تواجهه الدول الأوروبية من تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية يذكرنا بأن الاستقرار ليس امتيازاً دائماً وأن الشعارات الكبرى لا تعفي أي حكومة من مسؤولية معالجة الأزمات على أرض الواقع فمهما بلغت قوة الاقتصاد
أو رسوخ المؤسسات تظل الثقة بين الدولة والمجتمع عنصراً أساسياً في حماية الاستقرار
ان ما يحدث في فرنسا وما قد يحدث في غيرها من الدول يحمل درساً مهماً لكل دولة فالاستقرار ليس أمراً مضموناً إلى الأبد بل مسؤولية تتجدد كل يوم والدول التي تريد حماية أمنها القومي
لا يكفيها أن تمتلك جيشاً قوياً وأجهزة أمنية قادرة بل تحتاج أيضاً إلى اقتصاد يوفر الأمل ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين وإعلام يشرح الحقائق
ولا يكتفي بتضخيم الأزمات أو تجاهلها وسياسات تستمع إلى المجتمع قبل أن يتحول الاحتقان إلى انفجار كما أن احترام حق الاحتجاج السلمي لا يتعارض مع حماية الدولة تماماً كما أن مواجهة التخريب والعنف لا تبرر التعميم على جميع المحتجين فالدولة الواثقة من مؤسساتها هي التي تميز بين المطالبة المشروعة وبين الاعتداء على القانون وتتعامل مع كل حالة وفق أدلتها ومسؤولياتها لأن فرنسا دولة ذات مؤسسات قوية لكن أي اضطراب واسع يظل اختباراً لقدرتها على إدارة الخلافات الداخلية أما القول إن الجيش نزل بالفعل إلى الشوارع لأن الأوضاع خرجت عن السيطرة فلا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة دون أدلة موثوقة تؤكده لإن فرنسا بتاريخها السياسي وثقلها الأوروبي ليست دولة يمكن اختزال مستقبلها في مشهد احتجاج أو خبر عن انتشار قوات عسكرية والحكم على استقرارها يتطلب قراءة شاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتمييز بين الوقائع المؤكدة والمبالغات التي قد تصنعها منصات التواصل لكن الرسالة الأوسع تظل واضحة لا توجد دولة محصنة من الأزمات ولا توجد حكومة تستطيع شراء الاستقرار إلى الأبد بالقوة وحدها
ولا يمكن لأي شعارات عن الديمقراطية أو التقدم أن تعفي أصحاب القرار من مواجهة مشكلات المواطنين فالدولة القوية ليست التي تنتظر حتى يمتلئ الشارع بالغضب ثم تبحث عن وسيلة لفرض الهدوء بل التي تتحرك مبكراً وتسمع مواطنيها وتعالج أسباب الأزمة وتحمي القانون دون أن تتخلى عن الحكمة فحين يصبح الحديث عن الجيش في الشوارع عنواناً للمشهد السياسي ينبغي ألا يكون السؤال الوحيد كم جندياً نزل بل السؤال الأهم لماذا وصلت الأزمة إلى هذه النقطة وما الذي يجب فعله حتى لا تتكرر
تلك هي المعادلة التي تختبر الحكومات حقاً أن تحمي الدولة دون أن تخسر المجتمع وأن تصون الأمن دون أن تهدر الحقوق وأن تثبت هيبتها بالقانون والعدالة وكفاءة المؤسسات لا بالقوة وحدها فالجيوش تحمي الأوطان من الأخطار أما بناء الاستقرار من الداخل فتلك مسؤولية دولة كاملة تبدأ بالحكمة وتنتهي بثقة المواطن في مؤسساته فالدول لا تسقط لمجرد أن شوارعها تشهد احتجاجات لكنها تضعف حين تعجز عن فهم أسباب الغضب ومعالجتها والاستقرار الحقيقي لا تصنعه القوة وحدها بل تصنعه أيضاً العدالة والثقة والحكمة السياسية