هناك لحظات تختبر فيها الدول حقيقة ما ترفعه من شعارات، وتنكشف فيها المسافة بين الكلام عن الحريات وممارسة هذه الحريات على أرض الواقع، وتضع واقعة توقيف الشاب المصري أحمد ناصر في هولندا شعارات الحريات وحقوق الإنسان التي طالما تصدرت الخطاب الأوروبي أمام اختبار جدي، وتعيد إلى الواجهة سؤال ازدواجية المعايير في التعامل مع المواقف السياسية للمصريين بالخارج، حين يتحرك مواطنون للتعبير عن انتمائهم لوطنهم ورفضهم ما يتعرض له تمثيله الدبلوماسي من إساءات وتحركات تحريضية، ثم يجد أحدهم نفسه رهن التوقيف.
سقط القناع الأوروبي نهائيا، وعرت الشعارات الرنانة عن "حقوق الإنسان" و"حرية التعبير" لتكشف عن وجهها الحقيقي؛ وجها نفاقا يكيل بمكيالين، ويحمي الإرهاب، ويضيق ذرعا بكل من يحاول الدفاع عن كرامة دولته، واقعة توقيف الشاب المصري "أحمد ناصر" في هولندا هي فضيحة سياسية وقانونية بكل المقاييس، تعري حجم الازدواجية والتآمر الذي تمارسه الدول الأوروبية ضد مصر ومواطنيها.
المشهد الذي دار أمام السفارة المصرية في هولندا يروي قصة دولة أوروبية فقدت بوصلة القانون والأخلاق، بينما كانت عصابات من المتطرفين وجماعات "الإسلام السياسي" تمارس أبشع أشكال التطاول والسب والقذف ضد السفارة المصرية، وتعتدي على حرمة البعثة الدبلوماسية، كانت الشرطة الهولندية تتفرج، أو تتغاضى عمدا، وتترك الحبل على الغارب لهؤلاء الإرهابيين لينشروا سمومهم ويهددوا أمن البعثة.
ولكن، وفي لحظة واحدة، انقلبت الأدوار وتجردت هولندا من أي حياد مزعوم؛ ففي اللحظة التي تقدم فيها "أحمد ناصر" ومعه شباب مصريون غيورون للدفاع عن علم بلادهم، وصد عدوان هذه العصابات عن مقر تمثيل بلادهم، كانت الأصفاد الهولندية جاهزة لتقييد أيديهم، والزج بهم في الاعتقال!
أي عدالة هذه التي تتحدث عنها أوروبا؟ وأي حرية تعبير تلك التي تدعيها؟ إنها حرية مقيدة بمقاسات أعدت خصيصا لخدمة أجندات سياسية؛ حرية تعني في قاموسهم "الحق المطلق" في السب، والتحريض، والاعتداء على السفارات إذا كان الفاعل من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تتخذ من أوروبا ملاذا آمنا، ولكنها "جريمة يعاقب عليها القانون" إذا كان الفاعل مواطنا مصريا يدافع عن سيادة بلاده وكرامتها.
إن السفارات المصرية في الخارج تمثل سيادة الدولة وامتداد حضورها الوطني، وحمايتها مسؤولية قانونية تقع على عاتق الدولة المضيفة، وفقا لقواعد القانون الدولي واتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، ولا يتعلق الأمر بمقر دبلوماسي فحسب، بل بحق مصر في ممارسة مهامها الرسمية بأمان، وحق مواطنيها في الشعور بأن وطنهم حاضر لحمايتهم وصون كرامتهم أينما كانوا ومن هذا المنطلق، فإن واقعة أحمد ناصر تفرض على السلطات الهولندية توضيح موقفها من التجاوزات التي أثيرت بشأن محيط السفارة، والكشف عن أسباب التوقيف وملابساته، بما يضمن تطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
حين تتغاضى الدولة المضيفة عن اعتداءات جماعات متطرفة على بعثة دبلوماسية، وتتحرك بسرعة البرق لاعتقال من يحاولون الدفاع عن هذه البعثة، فهي ترسل رسالة واضحة: "نحن نحمي من يهاجم مصر، ونعاقب من يدافع عنها" هذا السلوك لا يمت للقانون الدولي بصلة، بل هو تجاوز سافر لـ "اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية" التي تلزم الدولة المضيفة بحماية مقرات البعثات الأجنبية من أي اعتداء أو تعطيل لمهامها.
إن حماية هولندا وأوروبا لشبكات "الإخوان" والجماعات المتطرفة، والسماح لها باستخدام أراضيها كمنصات للتحريض على الدولة المصرية، والاعتداء على مؤسساتها، هو شكل من أشكال رعاية الإرهاب وتمويله سياسيا وقانونيا، لقد تحولت عواصم أوروبية إلى حاضنات آمنة للإرهابيين، بينما تصنف فيها الوطنية والدفاع عن الوطن في الخارج كـ "جريمة" تستدعي التوقيف والملاحقة.
وهنا نسأل: أين كانت الشرطة الهولندية عندما كانت تلك العصابات تحرض على العنف؟ أين كانت عندما كانت ترفع لافتات تدعو لتخريب مصر؟ أين كانت عندما كانت تمول حملات التشويه ضد مؤسسات الدولة المصرية؟ لماذا صمتت حينها وتحدثت فقط حين دافع شاب مصري عن كرامة بلاده؟ الإجابة واضحة: لأنها لم تكن صامتة، بل كانت متواطئة، تترك للإرهابيين حريتهم الكاملة، وتنتظر الفرصة المناسبة لتضيق الخناق على من يقف في وجههم.
إن ازدواجية المعايير التي تمارسها هولندا ليست وليدة الصدفة، بل هي سياسة ممنهجة تستهدف النيل من استقرار مصر ومحاولة زعزعة أمنها من خلال دعم الجماعات المتطرفة التي فشلت في الداخل، فوجدت في أوروبا ملاذا ومنصة للانطلاق، هذه الجماعات التي ارتكبت أبشع الجرائم ضد الشعب المصري، والتي صنفتها دول أخرى كمنظمات إرهابية، لا تزال تحظى بحماية بعض العواصم الأوروبية التي تتغاضى عن أنشطتها الإجرامية بحجة "حرية التعبير"، بينما تستخدم نفس الحجة لتبرير اعتقال المصريين الذين يدافعون عن وطنهم.
إن مصر، دولة ومواطنين، لن تقبل بهذا الابتزاز الأخلاقي، ولن تصمت على هذا التمييز العنصري في تطبيق القانون، المواطن المصري الذي يقف ليدافع عن سفارة بلده هو رمز للوطنية، ومن يحاول التضييق عليه أو اعتقاله وهو يمارس حقه المشروع في الدفاع عن كرامة بلاده، شريك في الجريمة التي ترتكبها تلك الجماعات المتطرفة.
المطلوب الآن ليس مجرد بيانات دبلوماسية روتينية، بل موقف حازم وحاسم، على هولندا أن تفرج فورا عن "أحمد ناصر" ورفاقه، وأن تقدم تفسيرا واضحا للرأي العام الدولي: لماذا تم اعتقال المدافعين عن السفارة؟ ولماذا ترك المهاجمون والإرهابيون يطوفون بحرية؟ وعلى هولندا أيضا أن تتحمل مسؤوليتها الكاملة عن حماية السفارة المصرية، ومحاسبة كل من تجاوز في حقها، وأن تكف عن سياسة الكيل بمكيالين التي أصبحت سمة مميزة لتعاملها مع القضايا المصرية.
لا مساومة على كرامة المواطن المصري في أي مكان، ولا تسامح مع أي دولة تتستر على الإرهاب، أو تكيل بمكيالين عند تطبيق القانون، الشعارات الأوروبية عن الحرية قد خدعت العالم طويلا، لكنها في لاهاي، سقطت في مستنقع النفاق والتآمر.
إن العالم كله يراقب الآن كيف ستتعامل هولندا مع هذه الفضيحة، وهل ستستمر في سياسة التمييز والعنصرية في تطبيق القانون، أم ستعود إلى رشدها وتحترم المواثيق الدولية التي تدعي الالتزام بها وإن مصر، بكل مؤسساتها وشعبها، تراقب أيضا، ولن تسمح بأن يكون أبناؤها عرضة للظلم والتضييق بينما يُترك الإرهابيون يمارسون جرائمهم بحرية.
إن قضية "أحمد ناصر" ليست قضية فرد، بل هي قضية مبدأ، قضية كرامة مصر ومواطنيها في كل مكان ومن يحاول المساس بهذه الكرامة، سواء كان جماعة متطرفة أو دولة متواطئة، سيجد مصر شعبا وقيادة في مواجهته، ولن يفلت من حساب عسير على ما ارتكبه.
لا تحتاج مصر إلى من يمنحها حق الدفاع عن سفاراتها، ولا إلى تبرير مطالبتها بحماية مواطنيها، فهذه حقوق تستند إلى قواعد دولية واضحة وما تحتاج إليه هذه الواقعة هو أن تتحمل السلطات الهولندية مسؤوليتها كاملة، وأن تقدم الحقائق للرأي العام، وأن تثبت أن الحريات التي تتحدث عنها أوروبا ليست انتقائية، وأن حماية البعثات الدبلوماسية لا تخضع للحسابات السياسية، السفارة المصرية ليست ساحة لتصفية الحسابات مع الدولة، والمواطن المصري ليس طرفا مباحا للتضييق بسبب موقفه، والقانون الذي يحمي حق التظاهر هو نفسه الذي يجب أن يحمي أمن البعثات وحقوق الآخرين أما ترك الأسئلة بلا إجابة، فهو ما يمنح أزمة كهذه مساحة أكبر مما تستحق، ويحول واقعة توقيف إلى اختبار حقيقي لمصداقية الشعارات الأوروبية عن الحرية وسيادة القانون.