عاجل

بعد رحيل عزة رمزي.. شادية سلامة مضيفة ضحت بحياتها لإنقاذ ركاب طائرة عام 1985

المضيفة عزة رمزي
المضيفة عزة رمزي والمضيفة شادية سلامة

أعادت وفاة مضيفة الطيران المصرية عزة رمزي، ابنة محافظة البحيرة، إثر الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد في العاصمة السعودية الرياض، تسليط الضوء على قصة مضيفة مصرية أخرى واجهت الموت خلال أداء عملها، هي شادية سلامة، ابنة محافظة السويس، التي فارقت الحياة متأثرة بإصابتها في حادث اختطاف رحلة مصر للطيران رقم 648 عام 1985.

لم تكن قصة شادية مجرد واقعة مرتبطة بتاريخ حوادث الطيران، بل حملت جانبًا إنسانيًا مؤثرًا، بعدما وجدت نفسها أمام أزمة تهدد حياة عشرات الركاب، لتتخذ قرارات صعبة في محاولة لاحتواء الموقف ومساعدة المحتجزين داخل الطائرة.

البداية من مطار أثينا.. رحلة لم تصل إلى القاهرة

في 23 نوفمبر 1985، كانت طائرة مصر للطيران، التي تحمل رقم الرحلة 648، تستعد لمغادرة مطار أثينا في اليونان متجهة إلى القاهرة، وعلى متنها 97 راكبًا من جنسيات متعددة، بينهم مصريون وفلسطينيون وفلبينيون ويونانيون وأمريكيون، إلى جانب جنسيات عربية وأوروبية أخرى.

وبعد انتهاء إجراءات وصول الرحلة السابقة ونزول ركابها، بدأت شادية سلامة، رئيسة طاقم الضيافة، الاستعداد لرحلة العودة بمشاركة زميلاتها أشجان عطية وهناء الدربي وحنان الحبروك.

وكان يقود الطائرة الطيار هاني جلال، يعاونه الطيار عماد بهي الدين، فيما ضم طاقم الأمن على الرحلة عددًا من الضباط، من بينهم مدحت مصطفى ونبيل فاروق وحسن الششتاوي وأشرف إبراهيم، بحسب الروايات التي تناولت تفاصيل الحادث.

وبعد صعود الركاب واستقرارهم في مقاعدهم، شرعت شادية وزميلاتها في تنفيذ تعليمات السلامة المعتادة، من التأكد من ربط أحزمة الأمان وتوضيح إجراءات التعامل مع حالات الطوارئ، دون أن يتوقع أحد أن تتحول الرحلة إلى واحدة من أكثر الوقائع مأساوية في تاريخ الطيران المصري.

راكب يتحرك نحو مقدمة الطائرة.. وبداية الاختطاف

بعد إقلاع الطائرة ووصولها إلى ارتفاع يقارب 34 ألف قدم، وأثناء توجهها إلى القاهرة، بدأ أحد الركاب التحرك باتجاه مقدمة الطائرة.

وحاولت المضيفة أشجان عطية إيقافه، قبل أن تتضح خطورة الموقف، إذ تبين أن الأمر يتعلق بعملية اختطاف، بعدما ظهر الراكب حاملًا قنبلة، وانضم إليه آخرون.

وسرعان ما فرض الخاطفون سيطرتهم على أجواء الطائرة، وهددوا الركاب وأفراد طاقم الضيافة، مطالبين المضيفات بعدم التدخل والجلوس في أماكنهن، مع توجيه الركاب إلى الجزء الخلفي من المقصورة.

وزادت خطورة الموقف مع مطالبة الخاطفين بفصل الركاب بحسب جنسياتهم، في وقت أصبحت فيه حياة الموجودين على متن الطائرة مهددة بصورة مباشرة.

اشتباك داخل الطائرة وسقوط ضابط أمن وإصابة مضيفتين

وسط تصاعد التوتر، حاول ضابط الأمن مدحت مصطفى التصدي للخاطفين، وأطلق ثلاثة أعيرة نارية أصابت أحدهم، لكن المواجهة سرعان ما تحولت إلى تبادل لإطلاق النار داخل الطائرة.

وأسفر الاشتباك عن مقتل ضابط الأمن وإصابة المضيفتين أشجان عطية وهناء الدربي، فضلًا عن تعريض بقية الركاب لخطر بالغ في مساحة محدودة يصعب التحرك داخلها.

وفي ظل هذه التطورات، أدركت شادية سلامة أن الموقف يحتاج إلى محاولة لفتح قناة تواصل مع الخاطفين، فتقدمت إليهم وأبلغتهم بأنها رئيسة طاقم الضيافة والمسؤولة عن نقل مطالبهم والتواصل معهم.

وكانت خطوتها محاولة لاحتواء الأزمة وتقليل احتمالات تعرض الركاب لمزيد من الأذى، في وقت كانت فيه الطائرة لا تزال داخل المجال الجوي اليوناني بالقرب من جزيرة ميلوس.

من الأجواء اليونانية إلى مالطا.. تغيير مسار الرحلة

لم يسمح الخاطفون للطائرة بمواصلة طريقها إلى القاهرة، وأجبروا قائدها على تغيير المسار باتجاه ليبيا، ملوحين بإجباره على الهبوط في بنغازي أو طرابلس.

وفي أثناء ذلك، حاول قائد الطائرة التعامل مع الموقف وإرسال إشارات استغاثة، بينما تواصلت التهديدات وإطلاق النار داخل المقصورة، وفقًا للروايات المتداولة عن الحادث.

ومع استمرار الأزمة، اتجهت الطائرة إلى مالطا، حيث واجه قائدها صعوبات قبل الحصول على الموافقة اللازمة للهبوط. وتمكنت الطائرة في النهاية من الهبوط بمطار لوقا قرابة الساعة 11:15 مساءً، بحسب الرواية الواردة عن الواقعة.

لكن الهبوط لم يضع نهاية للأزمة؛ إذ استمر الخاطفون في تهديد الركاب، واستخدم أحدهم جهاز الاتصال اللاسلكي لمطالبة سلطات المطار بتزويد الطائرة بالوقود، مهددًا بقتل أحد المحتجزين كل ساعة إذا لم تتم الاستجابة لمطالبه.

شادية سلامة تحاول إنقاذ الركاب

مع استمرار احتجاز الركاب وتصاعد التهديدات، واصلت شادية محاولاتها لتهدئة الخاطفين وإقناعهم بالسماح بخروج عدد من المحتجزين، مع إعطاء الأولوية للسيدات والأطفال.

وبحسب الروايات المتداولة عن الحادث، أسفرت هذه المحاولات عن السماح لـ11 سيدة بمغادرة الطائرة، من بينهن سبع فلسطينيات وأربع مصريات.

كما غادرت المضيفتان أشجان عطية وهناء الدربي، بعدما تعرضتا للإصابة خلال الاشتباك الأول، ونُقلتا إلى المستشفى لتلقي العلاج.

أما شادية، فبقيت داخل الطائرة إلى جانب المضيفة المتدربة حنان الحبروك، بينما ظل باقي الركاب تحت تهديد الخاطفين، واستمرت المفاوضات وسط مخاوف متزايدة من تطور الأحداث إلى مواجهة دامية.

مهمة خطرة خارج الطائرة.. ثم قرار العودة

مع تعثر التواصل واستمرار الأزمة، لجأ الخاطفون إلى إعداد رسالة تضمنت مطالبهم، واختاروا شادية سلامة لتسليمها إلى المسؤولين في المطار.

وافقت شادية على الخروج بالمهمة رغم المخاطر التي تحيط بها، بعدما هددها الخاطفون بإيذاء الركاب إذا لم تعد إلى الطائرة عقب تسليم الرسالة.

وبعد وصولها إلى المسؤولين وتسليمهم الرسالة، واجهت المضيفة موقفًا آخر؛ إذ لم ترغب السلطات في السماح لها بالعودة إلى الطائرة، وأبلغتها بأنها لن تدخل في مفاوضات مع الخاطفين من خلالها.

لكن شادية تمسكت بالعودة إلى الركاب المحتجزين، وفقًا للروايات التي تناولت الواقعة، لتستأنف دورها داخل الطائرة إلى جانب زميلتها، رغم إدراكها خطورة الوضع.

وأصبحت هذه الخطوة من أبرز المواقف المرتبطة بسيرتها، إذ عكست تمسكها بمسؤوليتها تجاه الركاب في وقت كانت فيه فرص الخروج الآمن من الأزمة غير واضحة.

اقتحام الطائرة ونهاية مأساوية

مع استمرار احتجاز الركاب وعدم التوصل إلى حل ينهي الأزمة، انتهت الأحداث بعملية اقتحام للطائرة شاركت فيها قوة مصرية، وأسفرت المواجهة عن مقتل عدد من الخاطفين وسقوط قتلى ومصابين من الركاب.

وكانت شادية سلامة من بين المصابين خلال الأحداث الأخيرة، ونُقلت إلى المستشفى في حالة خطيرة، لكنها لم تنجُ من إصابتها، وفارقت الحياة في اليوم التالي.

وعاد جثمانها إلى مصر، حيث وُوري الثرى في مقابر أسرتها بمحافظة السويس، لتنتهي حياتها بعد أزمة ظلت تفاصيلها حاضرة في الذاكرة المرتبطة بحوادث الطيران.

من السويس إلى ذاكرة الأجيال

رحلت شادية سلامة عن عمر ناهز 33 عامًا، لكن قصتها بقيت مرتبطة بما قدمته من محاولات لمساعدة الركاب خلال واحدة من أصعب اللحظات التي يمكن أن يواجهها طاقم طائرة.

ولم يقتصر حضور اسمها على روايات الحادث، إذ أُطلق اسمها على مدرسة ثانوية للبنات في حي فيصل بمحافظة السويس، حيث تقيم أسرتها، لتظل سيرتها حاضرة في المكان الذي تنتمي إليه.

ومع عودة قصة شادية إلى الواجهة عقب وفاة مضيفة الطيران عزة رمزي، تتجدد الإشارة إلى المخاطر التي قد يواجهها العاملون في قطاع الطيران أثناء أداء مهامهم، وإلى القصص الإنسانية التي تقف خلف كل حادث، بعيدًا عن الأرقام والتفاصيل الفنية.

تم نسخ الرابط