حين تتحول الكلمات إلى أغنيات تحفظها الأجيال، وتصبح بعض الجمل جزءًا من وجدان الناس، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بنجاح العمل، بل بمكانة صاحبه في الحياة الثقافية التي أسهم في صنعها. وهذا ما يدعونا إلى التوقف أمام تجربة الشاعرة المصرية كوثر مصطفى، التي منحت الأغنية المصرية كلمات بقيت في الذاكرة، وأسهمت في تشكيل وجدان فني يستحق أن نعتز به، وأن نمنح أصحابه ما يليق بقيمة عطائهم.
أنا لا أكتب عن كوثر مصطفى من باب العطف، ولا أستدعي اسمها بحثًا عن حكاية مؤثرة، وإنما أكتب لأن الفن المصري لا يجوز أن يحتفي بالأغنية وينسى قيمة الكلمة، ولا أن يتوقف عند شهرة المطرب والملحن من دون أن يمنح الشاعر مكانته المستحقة. فالأغنية ليست صوتًا جميلًا وحده، ولا لحنًا يطرب الآذان فحسب، وإنما كلمة تمنح الصوت معناه، وتمنح اللحن روحه، وتصنع من دقائق قليلة عملًا قادرًا على العيش سنوات طويلة في قلوب الناس.
تأملوا أغنية «علي صوتك بالغنا» التي كتبها كوثر مصطفى لفيلم «المصير» للمخرج الراحل يوسف شاهين، بألحان الموسيقار كمال الطويل، وبصوت محمد منير عام 1997. لم تبقَ الأغنية حبيسة الفيلم الذي خرجت منه، بل تجاوزته إلى حياة أوسع، وأصبحت واحدة من الأغنيات التي تستدعي صورة مصر وهي تغني وتقاوم الحزن بالفرح، وتتمسك بقدرتها على التعبير عن نفسها. هذه ليست مصادفة فنية، وإنما ثمرة لقاء بين شاعر يعرف كيف يصوغ المعنى، وملحن يدرك قيمة الكلمة، ومطرب يمتلك القدرة على تحويلها إلى حالة إنسانية تصل إلى الجمهور.
ومن تلك المحطة امتدت الشراكة الفنية بين كوثر مصطفى ومحمد منير لأكثر من خمسة وعشرين عامًا، وقدمت خلالها نحو ثلاثين أغنية، وفق ما نشرته تقارير صحفية عن مسيرتها. وبين «يا بنت ياللي» و«سو يا سو» و«الشتا»، تتجلى ملامح تجربة لم تعتمد على استسهال العبارة أو مطاردة النجاح السريع، بل على حس شعري يعرف أن الأغنية التي تعيش ليست بالضرورة الأكثر صخبًا، وإنما الأقدر على لمس شيء حقيقي في الإنسان.
لكن الدليل الأوضح على قيمة هذه الشاعرة قد يكون أغنية «بكار». فمن الصعب أن نتحدث عن طفولة أجيال مصرية من دون أن تمر أمامنا تلك الأغنية التي صاحبت الشخصية المحبوبة، وارتبطت بذكريات البيوت المصرية في شهر رمضان. لقد شاركت كوثر مصطفى بكلماتها في تشكيل وجدان أطفال أصبحوا اليوم آباء وأمهات، وربما لم يعرف بعضهم اسم صاحبة الكلمات، لكنهم عرفوا أثرها، ورددوا ما كتبته، واحتفظوا به في ذاكرتهم سنوات طويلة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية أن نعيد تقديم تجربتها، لا لتصحيح معلومة عابرة فحسب، وإنما لإنصاف الحقيقة الفنية نفسها. فالأغنية التي يعرفها الملايين لا يصنعها شخص واحد، والنجاح الذي يصل إلى الجمهور تقف وراءه مواهب تستحق أن تُعرف أسماؤها، وأن تُحفظ أعمالها، وأن تجد مكانها اللائق في تاريخ الفن المصري. ومن غير المقبول أن نختزل رحلة الأغنية في صوت مطربها، مهما بلغت مكانته، أو أن نتعامل مع الكلمات باعتبارها تفصيلًا يمكن تجاوزه.
ولم تكن كوثر مصطفى شاعرة محمد منير وحده، فقد كتبت لحمزة نمرة «كده الأيام»، ولآمال ماهر «يا عيني عليكي يا طيبة»، ولسميرة سعيد «خليك معايا»، ولأنغام «بنت الأصول». كما أصدرت دواوين شعرية من بينها «موسم زرع البنات» و«على قدي وقد الشوق» و«الشاعر والبلياتشو». نحن إذن أمام تجربة متعددة المسارات، لا يصح أن تُختزل في أغنية شهيرة أو تعاون فني ناجح، بل تستحق قراءة جادة تكشف عن ملامحها، وتضع إنتاجها في سياقه الصحيح، وتمنح صاحبتها المكانة التي تليق بإسهامها.
وفي عام 2025، حظيت كوثر مصطفى بالتكريم في احتفالية المرأة المصرية بحضور السيدة انتصار السيسي. وهي مناسبة تستحق التقدير، لكن المطلوب اليوم أن يتحول الاحتفاء إلى عمل ثقافي واضح، وأن يصبح التكريم بداية لمزيد من الاهتمام بتجربتها، لا مجرد محطة منفصلة عن مسيرتها. فالمؤسسات الثقافية لا تُقاس فعاليتها بعدد الاحتفالات التي تنظمها، وإنما أيضًا بقدرتها على اكتشاف قيمة الإبداع، وتوثيقه، وتقديمه إلى الجمهور بالصورة التي يستحقها.
وتزداد أهمية ذلك أن كوثر مصطفى لا تزال تقرأ وتكتب، وتستعد لإصدار ديوان جديد. ومن حقنا أن نحتفي بهذه الروح المبدعة، وأن نرى إنتاجها حاضرًا في المشهد الثقافي، وأن نتعامل معها بوصفها شاعرة صاحبة تجربة تستحق النقاش والاهتمام. وليس من الإنصاف أن نختزل سيرتها في ظروفها الشخصية أو مكان إقامتها بدار كبار الفنانين، فهذه تفاصيل لا تختصر قيمة إنسان، ولا يجوز أن تحجب تاريخًا فنيًا صنعته الموهبة والعمل.
من هنا، أطالب وزارة الثقافة المصرية بتحرك جاد لتكريم كوثر مصطفى تكريمًا رسميًا يليق بتجربتها، وبإطلاق مبادرة لتوثيق أعمالها الشعرية والغنائية وجمعها في إصدار شامل، يضم شهادات عن مسيرتها وتعاوناتها الفنية، ويتيح للباحثين والأجيال الجديدة التعرف إلى عالمها الإبداعي. وأطالب بأن تمتد هذه المبادرة إلى تنظيم لقاءات وندوات تستعيد أعمالها، وتناقش أثرها في الأغنية المصرية، وتعيد تسليط الضوء على قيمة الشاعر في صناعة الفن.
إنصاف كوثر مصطفى ليس مجاملة شخصية، ولا مطلبًا عاطفيًا عابرًا، وإنما موقف من قيمة الإبداع المصري نفسه. فإذا كانت المؤسسات الثقافية معنية بحماية الفن وتاريخه، فإن مسؤوليتها لا تتوقف عند الاحتفاء بالأسماء الأكثر حضورًا، بل تمتد إلى تقديم التجارب التي أسهمت في صنع هذا التاريخ، وتعريف الجمهور بأصحابها، وإتاحة أعمالهم للأجيال التي لم تعاصر بداياتهم.
لقد منحت كوثر مصطفى الأغنية المصرية كلمات عاشت في وجدان الناس، وأسهمت في صناعة أعمال ارتبطت بذكرياتهم ومشاعرهم. وهذا رصيد يستحق أن نحتفي به بجدية، وأن نضعه في مكانه الصحيح، بعيدًا عن المجاملات الموسمية أو الاكتفاء بالإشادة العامة.
يا وزارة الثقافة، إن كوثر مصطفى لا تحتاج إلى من يصنع لها مجدًا؛ فقد صنعت كلماتها مكانتها، وشهدت لها أعمالها، وردد الجمهور ما كتبته. المطلوب أن نمنح هذه التجربة حقها في التوثيق والتقدير، وأن نؤكد بالفعل لا بالكلمات أن المبدع المصري يستحق أن يُحتفى بإنجازه، وأن يجد إبداعه مكانًا يليق به في ثقافة بلاده.
فالأغنية التي أحبها الناس لا تنفصل عن الشاعر الذي كتبها، واللحن الذي طربوا له لا يمحو قيمة الكلمة التي منحته روحه. وحين نحتفي بكوثر مصطفى، فإننا لا نكرّم شاعرة وحدها، بل ندافع عن حق الكلمة المصرية في أن تُنسب إلى أصحابها، وعن حق الفن في أن يروي تاريخه كاملًا، وعن ثقافة تعرف أن الوفاء للمبدعين ليس ترفًا، وإنما واجب تجاه كل من أضاف إلى حياة الناس شيئًا يستحق أن يبقى.