اقتربت من العام.. هل فشلت خطة ترامب في وقف شامل لإطلاق النار في غزة؟
قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، إن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة تواجه اختبارا حاسما يتمثل في قدرتها على تحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات قابلة للتنفيذ، تنهي الحرب فعليا وتمنع تجددها، مشيرة إلى أن الإعلان عن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تحقيق السلام أو التوصل إلى تسوية مستدامة تنهي الصراع.
وأكدت الدكتورة نيفين وهدان في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، إن تقييم الخطة الأمريكية لا يمكن اختزاله في وصفها بالفشل المطلق أو النجاح الكامل، بمعزل عن النتائج التي حققتها على الأرض، موضحة أنها أتاحت إطارا للتفاوض، ووفرت أساسا لترتيبات تبادل المحتجزين والأسرى، وفتحت المجال أمام معالجة الاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار.
وأضافت أن هذه النتائج المرحلية لا تكفي للحكم بنجاح الخطة على المستوى الاستراتيجي، إذ يتمثل المعيار الحقيقي في مدى قدرتها على الانتقال من إدارة الحرب إلى معالجة أسباب الصراع، ومن التفاهمات المؤقتة إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
وأوضحت أستاذة العلوم السياسية أن الخلفية التاريخية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تكشف أن هذه المعضلة ليست جديدة، فمنذ اتفاقيات أوسلو عام 1993، مرورا بخارطة الطريق عام 2003، تعاقبت المبادرات السياسية التي نجحت في إنشاء أطر تفاوضية، لكنها لم تتمكن من حسم القضايا الجوهرية، وفي مقدمتها الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئون والأمن والحقوق الوطنية الفلسطينية.
وأكدت أن هذه التجارب أظهرت أن الاتفاقات المرحلية، مهما بلغت أهميتها، تظل محدودة الأثر إذا لم ترتبط برؤية نهائية واضحة، وجدول زمني محدد، وآليات للرقابة وضمانات تحول دون تعطيل التنفيذ.
الفرق بين وقف إطلاق النار وتحقيق السلام
وشددت وهدان على أهمية التمييز بين وقف إطلاق النار باعتباره ترتيبا أمنيا، والسلام باعتباره عملية سياسية وقانونية متكاملة، موضحة أن وقف إطلاق النار يستهدف وقف العمليات العسكرية أو الحد منها، بينما يتطلب السلام بناء منظومة من الالتزامات المتبادلة التي تعالج قضايا الأمن والحكم والانسحاب وإعادة الإعمار والحقوق الفلسطينية.
وأشارت إلى أن استمرار الخلافات حول هذه الملفات يعكس الفجوة بين التوصل إلى اتفاق سياسي والقدرة على تنفيذه، لافتة إلى أن قوة الاتفاقيات لا تستمد من صياغتها القانونية وحدها، وإنما من وضوح بنودها، وإمكانية مراقبة تنفيذها، ووجود آليات للتعامل مع الخروقات.
وأضافت أن غياب هذه العناصر يجعل الاتفاق عرضة للتأويل المتبادل، وقد يحوله من وسيلة لحل النزاع إلى ساحة جديدة للصراع حول تفسير الالتزامات.
إعادة إعمار غزة ومستقبل الإدارة السياسية
وفيما يتعلق بمستقبل إدارة قطاع غزة، أوضحت أستاذة العلوم السياسية أن إعادة الإعمار لا تقتصر على عملية اقتصادية لإصلاح ما دمرته الحرب، وإنما ترتبط بسؤال الشرعية السياسية، والجهة التي تتولى الحكم، ومدى قدرتها على تمثيل الفلسطينيين وإدارة الخدمات العامة وتحقيق الاستقرار.
وأكدت أن أي ترتيبات انتقالية لا تستند إلى قبول فلسطيني، ولا تفضي إلى مؤسسات مستقرة ومرجعية سياسية واضحة، قد تتحول إلى صيغة مؤقتة ممتدة، تتراجع في ظلها القدرة الفلسطينية على اتخاذ القرار المستقل.

كما لفتت وهدان إلى دور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس عبد الفتاح السيسي في مسار الاتفاق، باعتبارهما من الأطراف الرئيسية في الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب، موضحة أن ترامب سعى إلى تقديم خطته باعتبارها مدخلا لإنهاء المواجهة وتحقيق اختراق دبلوماسي، مستندا إلى النفوذ الأمريكي والضغط السياسي والتفاوض المباشر، كما حرص في تصريحاته على إبراز الاتفاق باعتباره إنجازا سياسيا يمكن البناء عليه لإنهاء الحرب وفتح مسار جديد في المنطقة.
وأضافت أن تقييم الدور الأمريكي لا يتوقف عند التصريحات أو الإعلان عن الإنجاز، وإنما يرتبط بمدى ترجمة الوعود السياسية إلى نتائج ملموسة، وقدرة واشنطن على ضمان تنفيذ الالتزامات ومنع تجدد المواجهات.
وفي المقابل، أكدت وهدان أن مصر، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتحرك انطلاقا من اعتبارات ترتبط بالأمن القومي المصري، ورفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، فضلا عن دعم وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار قطاع غزة.
وأشارت إلى أن قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025 عكست أهمية الدور المصري في جمع الأطراف وتوفير غطاء إقليمي ودولي للجهود الرامية إلى تثبيت الاتفاق، موضحة أن المقاربة المصرية تقوم على أن استقرار القطاع لا يمكن تحقيقه من خلال الترتيبات الأمنية وحدها، وإنما يتطلب مسارا سياسيا يحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية ويفتح أفقا جادا لتسوية عادلة.
الوساطة المصرية ورفض تهجير الفلسطينيين
وأوضحت أستاذة العلوم السياسية أن أهمية الدور المصري تنبع من خبرة القاهرة الطويلة في الوساطة بين الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية، إلى جانب اتصالاتها الإقليمية والدولية، بما يتيح لها الإسهام في تقريب المواقف وتيسير التفاوض.
وأضافت أن موقف مصر الرافض للتهجير القسري يضع البعد الديموغرافي والسيادي في قلب أي تصور لمستقبل غزة، بدلا من اختزال الأزمة في ترتيبات مؤقتة لإدارة السكان أو إعادة توزيعهم.

وأكدت أن التنسيق المصري الأمريكي يكتسب أهميته من قدرته على الجمع بين النفوذ الدولي والوساطة الإقليمية، شريطة أن يقود إلى تنفيذ فعلي للالتزامات، لا إلى الاكتفاء بإدارة الأزمة.
أربعة معايير لقياس نجاح خطة ترامب
وحول حصيلة العام الأول من الاتفاق، أوضحت وهدان أن الانتقال من التهدئة العسكرية إلى التسوية السياسية لا يزال يواجه تحديات في ظل استمرار الخلافات بشأن الترتيبات الأمنية، والانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح الفصائل، وإدارة القطاع، وإعادة الإعمار.
وحددت أربعة معايير رئيسية لتقييم الخطة الأمريكية، تتمثل في استدامة وقف الأعمال العدائية وحماية المدنيين، وتنفيذ الالتزامات الأمنية وفق جدول زمني واضح، وضمان تدفق المساعدات والبدء الفعلي في إعادة الإعمار، إلى جانب توفير أفق سياسي يضمن للفلسطينيين حقوقهم المشروعة ويؤسس لإدارة تتمتع بالشرعية والقدرة على الحكم.
ومن منظور القانون الدولي، أكدت أن الالتزامات المقررة بموجب القانون الدولي الإنساني وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة تظل قائمة، ولا يمكن للتفاهمات السياسية أن تحل محلها أو تنتقص منها.
وأضافت أن نجاح أي اتفاق لا يقاس فقط بمدى التزام الأطراف ببنوده المكتوبة، وإنما أيضا بمدى اتساق تنفيذه مع حماية المدنيين واحترام الحقوق وتوفير الشروط اللازمة لعودة الحياة الطبيعية، مشيرة إلى أن التسوية المستدامة لا تقوم على التوازنات الأمنية وحدها، بل تحتاج إلى أساس سياسي وقانوني يعالج جذور النزاع ويحد من احتمالات تجدده.
هل تنجح خطة ترامب في تحويل الهدنة إلى سلام مستدام؟
وأكدت وهدان على أن التوصيف الأكثر دقة للخطة الأمريكية ليس إعلان فشلها بصورة نهائية، وإنما القول إنها تواجه اختبارا حاسما في الانتقال من وقف إطلاق النار إلى التسوية الشاملة.
وأوضحت أستاذة العلوم السياسية أن نجاح ترامب في جمع الأطراف حول اتفاق يمثل خطوة دبلوماسية، لكنه لا يعادل نجاح الاتفاق ذاته في إنهاء الحرب، مؤكدة أن الدور المصري، بما يحمله من أبعاد سياسية وأمنية وإنسانية، يظل مهما في دعم تنفيذ الالتزامات والحفاظ على الثوابت المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وشددت على أن السؤال الحقيقي لا يقتصر على مدى نجاح خطة ترامب في وقف الحرب، وإنما يتعلق بقدرتها على تحويل وقف إطلاق النار من تفاهم مؤقت إلى سلام قابل للاستمرار، معتبرة أن هذه هي النقطة الفاصلة بين اتفاق يجمد الصراع لفترة محدودة وتسوية سياسية تعالج جذوره وتمنع تكرار دورات الحرب.
وأكدت أن النتيجة النهائية ستظل مرهونة بمدى توافر الإرادة السياسية، ووضوح آليات التنفيذ، ووجود ضمانات دولية فعالة، ومسار جاد يربط الأمن بالحقوق والانسحاب بإعادة الإعمار، والتهدئة المؤقتة بالتسوية السياسية العادلة.



