عاجل

​تمثل الدبلوماسية الرئاسية في العصر الحديث الذراع الطولى للدول الكبرى، والرافعة الأساسية لتحقيق المصالح الوطنية الاستراتيجية، وبناء الشراكات العابرة للقارات. وفي هذا السياق تكتسب التحركات الخارجية للرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية مضاعفة، كونها لا تقتصر على مجرد التمثيل البروتوكولي، بل تتجاوزه إلى هندسة واقع سياسي واقتصادي جديد، يضع مصر في قلب معادلات التوازن الدولي والإقليمي. وتأتي الجولة الآسيوية الأخيرة للرئيس السيسي لتؤكد مجددا حيوية وفاعلية الرؤية المصرية القائمة على تنويع التحالفات، والانفتاح الواعي على قاطرات النمو العالمي الصاعدة في قارة آسيا. وهي خطوة تستحق بالفعل وقفة تقدير وإجلال «تعظيم سلام» لمسيرة عمل دؤوب لا تهدأ من أجل رفعة الوطن.
​لم تعد القارة الآسيوية مجرد جغرافية بعيدة، بل أصبحت البوصلة الحقيقية التي تحدد اتجاهات الاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين. ومن النمور الآسيوية والاقتصادات الصاعدة إلى القوى الكبرى التكنولوجية، تزخر آسيا بفرص هائلة وفريدة. ولقد أدركت القيادة السياسية مبكرًا هذه التحولات الجذرية، فبدأت استراتيجية طموحة لنسج شبكة علاقات وثيقة ومؤسسية مع هذه العواصم المؤثرة. وجاءت الجولة الآسيوية للرئيس السيسي لتتويج وتأصيل هذا التوجه الاستراتيجي. فلم تكن جولة تقليدية، بل كانت مهمة وطنية متعددة الأبعاد، استهدفت فتح آفاق أرحب للتعاون الاستثماري والتجاري، وجذب رؤوس الأموال والتقنيات المتقدمة للمساهمة في مشروعات التنمية العملاقة التي تشهدها مصر، مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والبنية التحتية الذكية، والمدن الجديدة. إن تعزيز الشراكة مع القوى الآسيوية يعكس فهما عميقا لمتطلبات "دبلوماسية التنمية"، حيث لم تعد السياسة بمعزل عن الاقتصاد، بل باتت خادمة ومحفزة له.
​و​تتسم الدبلوماسية الرئاسية المصرية في ثوبها الحديث بالبراجماتية الواعية والقدرة الفائقة على التشخيص الدقيق لمواطن المصلحة المشتركة. وخلال مباحثاته مع قادة وزعماء الدول الآسيوية في هذه الجولة، ركز الرئيس السيسي على ملفات حيوية تمس المواطن المصري بشكل مباشر، في مقدمتها توطين الصناعة الحديثة، ونقل التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة والمتجددة، والتحول الرقمي. ​إن التعاون مع دول آسيا الرائدة يتيح لمصر الاستفادة من تجارب تنموية ملهمة نجحت في القفز فوق التحديات الاقتصادية وتحقيق معجزات نمو حقيقية. وتؤكد المباحثات المكثفة التي أجراها الرئيس أن مصر لا تسعى فقط لاستقطاب الاستثمارات، بل تهدف إلى بناء شراكات مستدامة قائمة على نقل المعرفة وتدريب الكوادر البشرية المصرية، وهو الاستثمار الحقيقي الذي يضمن استدامة التنمية للأجيال القادمة.
و​على الصعيد السياسي، أثبتت جولة الرئيس السيسي الآسيوية أن مصر تظل صوتا مركزيا ومؤثرا في المحافل الدولية، وصمام أمان لقضايا السلم والأمن والاستقرار. فقد تطرقت النقاشات مع القادة الآسيويين إلى أحدث التطورات الإقليمية والدولية، بدءا من الأزمات في الشرق الأوسط، ومرورا بأمن الملاحة الدولية، ووصولا إلى قضايا التغير المناخي والأمن الغذائي والطاقة.
​هناك تقارب كبير في وجهات النظر بين مصر والدول الآسيوية الصديقة حول ضرورة إرساء قواعد النظام الدولي على أساس احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والاعتماد على الحلول السلمية للنزاعات. لقد أبرزت الدبلوماسية الرئاسية المصرية الرؤية العميقة التي تتمتع بها القيادة تجاه التحديات العالمية المعقدة، مؤكدة أن مصر شريك لا غنى عنه في صنع الاستقرار الإقليمي والدولي، وأن صوتها يحظى باحترام وتقدير بالغين في عواصم صنع القرار الكبرى.
​ولا يمكن فصل النجاحات التي حققتها الجولة الآسيوية عن استراتيجية بناء الصورة الذهنية الإيجابية لمصر في الخارج. فالرئيس السيسي بصفته ممثلا لإرادة الشعب المصري، يحرص في كل محطة دولية على إبراز ما تحقق على الأرض من إنجازات تنموية وبنية أساسية وتشريعات استثمارية جاذبة. هذا التواصل المباشر مع قادة الفكر والاقتصاد والسياسة في آسيا يعزز الثقة الدولية في الاقتصاد المصري. ويشجع الشركات الكبرى على ضخ استثمارات جديدة تعود بالنفع المباشر على توفير فرص العمل وخفض معدلات البطالة. وتمثل هذه الجولات رسالة واضحة لكل متابع للشأن المصري، مفادها أن مصر ماضية بكل ثقة وثبات في تنويع خياراتها الاستراتيجية وعدم الارتهان لقطب واحد أو اتجاه واحد. إنها الدبلوماسية الحكيمة التي تمد يد التعاون للجميع، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وتتحرك بمرونة استراتيجية تحسد عليها وسط عالم متقلب تعصف به الأزمات الجيوسياسية.
إن قراءة متأنية لجولة الرئيس السيسي الآسيوية تكشف عن حجم الجهد المبذول خلف الكاميرات وأمامها. هو جهد شاق ومنظم تتقاطع فيه مصالح الأمن القومي مع متطلبات التنمية المستدامة والرفاهية الاقتصادية. إنها دبلوماسية الفعل لا القول، ودبلوماسية النتائج الملموسة التي تعزز مكانة مصر إقليميا ودوليا.
​وتستحق هذه التحركات الرئاسية الواعية كل تقدير واحترام. فمن حق كل مواطن مصري أن يرفع راسه فخرا واعتزازا بهذا الحضور الطاغي والرصين لمصر في كبرى عواصم آسيا والعالم. ومن هنا يأتي استحقاق "تعظيم سلام" لهذا النهج الرئاسي المتميز، الذي يثبت يوما بعد يوم أن مصر قادرة على صياغة مستقبلها بوعي، وبناء شراكاتها بندية، والسير بخطى ثابتة نحو جمهوريتها الجديدة التي تليق بتاريخها وحضارتها ومكانتها المستحقة بين الأمم.

تم نسخ الرابط