تأتي ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة كل عام، فتتجدد في وجدان المصريين واحدة من أعظم صفحات تاريخ الوطن؛ صفحة كتبتها القوات المسلحة المصرية بدماء الشهداء وتضحيات الأبطال، وأثبت فيها المصريون أن الإرادة الوطنية، حين تجتمع مع العلم والتخطيط والعمل والصبر، قادرة على تجاوز أصعب التحديات وصناعة المستحيل.
إن السادس من أكتوبر ليس مجرد تاريخ نتذكره، ولا مناسبة نحتفل بها ثم تنتهي، وإنما هو درس متجدد في الوعي الوطني، نتعلم منه أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، وإنما بالوعي والمسؤولية والعمل والإخلاص، وأن قوة الدولة تبدأ من قوة الإنسان وإدراكه لقيمة وطنه، وحرصه على أمنه واستقراره ومستقبله.
ولهذا، فإن نصر أكتوبر لا ينبغي أن يبقى مجرد ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما يجب أن يتحول إلى وعي متجدد برسالة الوطن وقدرته على مواجهة التحديات.
لقد كان وراء النصر جندي مصري آمن بوطنه، وقائد خطط، وعالم أسهم بعلمه، ومهندس سخّر خبرته، وعامل واصل الإنتاج، وأسرة قدمت أبناءها فداءً لمصر. ومن هنا، فإن النصر لم يكن صناعة مؤسسة واحدة بمعزل عن المجتمع، بل كان ثمرة تلاحم الإرادة الوطنية المصرية. وهذه واحدة من أهم الرسائل التي ينبغي أن تصل إلى الأجيال الجديدة؛ فالوطن يُبنى عندما يدرك كل إنسان أن له دورًا ومسؤولية، وأن حماية الوطن ليست مسؤولية الجندي وحده، وإنما مسؤولية كل مواطن في موقعه.
وإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة استرداد الأرض، فإن أجيال اليوم تخوض معركة أخرى شديدة الأهمية، وهي معركة الوعي. فالتهديدات التي تواجه الدول في العصر الحديث لم تعد كلها تأتي في صورة جيوش تعبر الحدود، فهناك الشائعات والأخبار الزائفة وخطابات الكراهية ومحاولات نشر الإحباط واستغلال الأزمات لإثارة الانقسام داخل المجتمع.
ومن هنا، وكما أكدنا مرارًا، أصبح الوعي جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الوطني، وأصبحت معركة بناء الوعي اليوم امتدادًا طبيعيًا لروح أكتوبر، لكنها تُخاض في ميادين مختلفة وبأدوات معاصرة.
فترسيخ الهوية والتاريخ هو تحصين للشباب ضد محاولات تزييف الحقائق أو تفريغ الانتصارات الوطنية من مضمونها، وذلك من خلال قراءة تاريخية واعية وموثقة. كما أن بناء الوعي المعاصر يتطلب قدرة الأفراد على التمييز بين الحقائق والأخبار المغلوطة، وعدم الانقياد وراء السرديات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي التي نطالعها صباح مساء.
وحتى تظل روح أكتوبر المرتكز الأساس الذي يؤكد أن تجاوز الصعاب واستعادة المبادرة أمر ممكن دائمًا، لا بد أن يقترن الإيمان والإرادة بالوعي والعلم والتخطيط المحكم. كذلك، لا بد أن نؤكد للأجيال الصاعدة أن العمل والبناء والتنمية المستدامة والتعليم والابتكار، كلها عناصر تمثل وعيًا حقيقيًا يربط بين استرداد الأرض وحمايتها.
كما أن التضامن والوحدة، اللذين تجليا في أعلى درجاتهما في التنسيق العربي والتماسك الداخلي، كانا عاملًا مهمًا في تحقيق النصر، حيث التفت الشعوب خلف هدف واحد، وهو استعادة الأرض والكرامة.
فقد كان نصر أكتوبر نقطة تحول مفصلية في التاريخ العربي الحديث، ليس فقط على المستوى العسكري والسياسي، بل على مستوى صناعة الوعي وإعادة تشكيل المفهوم الذاتي للأمة. فلم تكن الحرب مجرد معركة، بل كانت عملية جراحية دقيقة لاستئصال عقدة النقص والهزيمة النفسية التي تراكمت عقب حرب 1967 في الوعي المصري والعربي.
وقد أسهم نصر أكتوبر في تغيير المفاهيم السائدة حول التفوق التكنولوجي والعددي؛ فقد كان العبور والتعامل مع خط بارليف والتنسيق المحكم بين القوات المسلحة بمثابة درس عملي في أن الوعي المرتكز على العلم والتخطيط الاستراتيجي قادر على تجاوز أعظم العقبات المادية.
لقد تعلم الشارع المصري والعربي أن الوعي الحقيقي يبدأ من الإيمان بالقدرات الذاتية والتخلي عن الاستكانة للواقع المفروض. وهنا تمثلت عظمة نصر أكتوبر في أنه لم يبدأ من خط النار، بل بدأ من عملية إعادة بناء الشكيمة النفسية للمواطن المصري والعربي، حيث تحول الوعي من حشد العواطف إلى التخطيط العلمي والانضباط والاستغلال الأمثل للقدرات المتاحة.
ستظل حرب أكتوبر 1973 ملحمة فارقة في تاريخ المنطقة، لا لأنها أعادت سيناء والكرامة العربية فحسب، بل لأنها برهنت على أن الوعي هو الوقود الحقيقي للانتصار. لقد أثبتت المعركة أن الأمة التي تملك القدرة على تصحيح مسار وعيها هي أمة عصية على الإلغاء والانكسار.
لقد انتصر جيل أكتوبر في معركة الأرض، وحان الوقت لكي تواصل الأجيال الجديدة المسيرة في معركة الوعي والبناء والتنمية.