عاجل

لم يعد انفتاح مصر على آسيا مجرد تنويع لوجهات التجارة والاستثمار، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع لإعادة تموضع السياسة الخارجية المصرية في نظام دولي تتغير موازين قوته، وتتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الأمن القومي، وتزداد فيه كلفة الصراعات الإقليمية على الدول والمجتمعات،  ومن هنا، تكتسب الجولة الآسيوية للسيد الرئيس ، التي بدأت بزيارة دولة إلى كوريا الجنوبية، وتشمل ماليزيا وإندونيسيا، أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتطرح سؤالاً استراتيجياً: كيف تستطيع مصر تحويل انفتاحها شرقاً إلى قوة اقتصادية إضافية، وأداة لتعزيز حضورها السياسي في عالم مضطرب؟
أولاً: التوجه شرقاً :  تنويع الشراكات وتعزيز الاتزان  الاستراتيجي
تتحرك مصر في بيئة دولية تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، واضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط ومحيطه ،  وفي مثل هذه البيئة، لا يمثل تنويع العلاقات الخارجية ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة لتقليل المخاطر وتوسيع الخيارات المتاحة أمام صانع القرار.
ويعني التوجه نحو آسيا، في هذا السياق، بناء شبكة من الشراكات التي تمنح مصر فرصاً أوسع في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار، وتتيح لها في الوقت نفسه تنسيق المواقف السياسية مع دول تمتلك وزناً اقتصادياً ودبلوماسياً متنامياً ،  ولا يستلزم ذلك استبدال شريك دولي بآخر، أو الانتقال من محور إلى محور، وإنما تنويع مصادر القوة وتوسيع هامش الحركة وفقاً للمصالح الوطنية.
وتنسجم هذه المقاربة مع مفهوم " الاتزان الاستراتيجي"  الذي ورد صراحة في البيان المصري الكوري، بما يعكس توجهاً نحو إقامة علاقات متعددة تقوم على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة ،  فالقيمة الأساسية للانفتاح المصري لا تكمن في تعدد الزيارات، بل في تحويل العلاقات السياسية إلى مصالح مستدامة، وفي الاحتفاظ بالقدرة على التحرك المستقل إزاء القضايا الدولية والإقليمية.
ثانياً: كوريا الجنوبية.. من الشراكة السياسية إلى التصنيع ونقل التكنولوجيا
تمثل كوريا الجنوبية إحدى أهم التجارب الآسيوية في الانتقال من اقتصاد محدود الموارد إلى قوة صناعية وتكنولوجية مؤثرة ، لذلك، فإن تعميق التعاون معها يتجاوز زيادة حجم التبادل التجاري إلى فرصة لبناء قاعدة إنتاجية أكثر تطوراً داخل مصر .
وقد حدد البيان المشترك مجالات عملية للتعاون، تشمل صناعة السفن والمركبات الكهربائية، والطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، وتعزيز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس،  كما اتفق البلدان على تطوير التعاون في التعليم والتدريب الفني والمهني، وتخصيص عام 2027 للتبادلات الثقافية.
وتكتسب هذه المجالات أهمية خاصة في ضوء حاجة الاقتصاد المصري إلى زيادة الصادرات الصناعية، وتوطين التكنولوجيا، وخلق فرص عمل ذات إنتاجية مرتفعة ،  لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب ألا تتوقف الشراكة عند حدود جذب الاستثمارات أو استيراد المعدات، بل أن تشمل نقل المعرفة، وتطوير الصناعة المحلية ، وتأهيل العمالة، وزيادة المكون المصري في المنتجات الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
وتبرز المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في هذا السياق بوصفها منصة يمكن أن تربط الاستثمارات الآسيوية بالأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية ،  فالميزة المصرية لا تتمثل في الموقع الجغرافي وحده، وإنما في القدرة على تحويل هذا الموقع إلى قاعدة للتصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية.
ومع ذلك، فإن إطلاق مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة لا يعني اكتمال الاتفاق أو تحقق مكاسبه تلقائياً؛ إذ تتوقف النتائج على مضمون الاتفاق النهائي، وقواعد النفاذ إلى الأسواق، وقدرة الشركات المصرية على المنافسة ، وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي لدبلوماسية التنمية التي تتبناها الدولة المصرية.
ثالثاً: ماليزيا وإندونيسيا.. أسواق آسيوية وفرص لتوسيع الحضور السياسي
تكتسب المحطتان الماليزية والإندونيسية أهميتهما من موقع البلدين داخل جنوب شرق آسيا، ومن فرص التعاون التي يتيحها هذا الإقليم في الصناعات المتقدمة والتجارة والخدمات والتكنولوجيا ،  كما تتيح العلاقات معهما مجالاً لتعزيز التواصل مع رابطة دول جنوب شرق آسيا، وتوسيع الروابط مع اقتصادات تتزايد أهميتها في حركة التجارة والاستثمار العالميين.
فماليزيا تتيح فرصاً للتعاون في الصناعات الإلكترونية والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية والتعليم والصناعات الغذائية والدوائية ،  ويمكن أن يشمل التعاون أيضاً تبادل الخبرات في تطوير الصناعات الموجهة للتصدير، والاستفادة من التجارب الآسيوية في بناء قطاعات إنتاجية أكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي.
أما إندونيسيا، بما تمتلكه من سوق واسعة وثقل سياسي داخل جنوب شرق آسيا، فتمثل شريكاً محتملاً في مجالات التصنيع والطاقة والصناعات الغذائية والدوائية والخدمات اللوجستية. كما يمكن للعلاقات معها أن تفتح آفاقاً أوسع للتنسيق في قضايا التنمية والتعاون بين الدول النامية، وتعزيز دور المؤسسات متعددة الأطراف.
وتتجاوز أهمية البلدين الحسابات التجارية؛ فالتقارب السياسي معهما يمكن أن يدعم التشاور بشأن الأزمات الإقليمية، ويعزز حضور المواقف العربية والإسلامية في المحافل الدولية .
رابعاً: فلسطين : توسيع دائرة الدعم من الموقف السياسي إلى الفعل الدولي
تظل القضية الفلسطينية إحدى القضايا المركزية في السياسة الخارجية المصرية باعتبار مصر هي صاحبة هذا الملف وتتحمل بكل أمانة وشرف ودون أجندات مسئولية حماية القضية من التصفية إيمانا بعدالتها ، ورفض تهجير الفلسطينيين ووصل المساعدات الإنسانية والتأكيد المتواصل على مبدأ حل الدولتين ، وقد أكد البيان المصري الكوري ضرورة مواصلة الحوار الاستراتيجي بشأن القضية الفلسطينية ،  كما شدد السيد الرئيس ، في كلمته خلال المؤتمر الصحفي المشترك في سول، على التسوية العادلة والشاملة القائمة على حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض مخططات التهجير والتصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وتتيح العلاقات مع ماليزيا وإندونيسيا فرصة لتوسيع التنسيق مع دولتين تحظى القضية الفلسطينية باهتمام بارز في سياستهما الخارجية ،  ويمكن أن يتخذ هذا التنسيق أشكالاً عملية، من بينها التحرك المشترك في الأمم المتحدة، وحشد الدعم الإنساني، وتنسيق المواقف بشأن إعادة إعمار غزة، والدفع نحو تسوية سياسية تستند إلى الشرعية الدولية.
خامساً: إيران والولايات المتحدة.. أمن الإقليم في قلب الحسابات الآسيوية
لا يمكن فصل التوجه المصري نحو آسيا عن المخاطر الناجمة عن المواجهة الأمريكية الإيرانية، أو عن احتمالات اتساع نطاق الصراع في الخليج والبحر الأحمر،  فالتوتر العسكري في هذه المناطق قد ينعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف التأمين والشحن، وحركة التجارة الدولية، وإيرادات قناة السويس .
وتتضاعف أهمية هذه المخاطر بالنسبة إلى مصر مع ارتباطها بمصالح الاقتصادات الآسيوية التي تعتمد على الممرات البحرية لتأمين الطاقة والمواد الخام وتدفقات التجارة. ومن ثم، فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر ليس قضية إقليمية محدودة، بل " مصلحة مشتركة "  بين الدول المطلة على هذه المناطق وشركائها التجاريين في آسيا.
وقد أكد السيد الرئيس خلال مباحثاته مع الرئيس الكوري، أهمية استعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، وضمان حرية وسلامة الملاحة في الممرات البحرية الدولية، ومنع انتقال الأزمات إلى ساحات أخرى ،  كما شدد على أن مسؤولية أمن البحر الأحمر وحوكمة شؤونه تقع على عاتق الدول المشاطئة له، مع رفض ترتيبات تنتقص من سيادتها أو تمس وحدتها وسلامة أراضيها.
ويكشف هذا الموقف عن إدراك مصري بأن الأمن البحري يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية ،  كما يفتح مجالاً للتشاور مع الشركاء الآسيويين بشأن حماية التجارة الدولية وخفض التصعيد .
وتقوم المصلحة المصرية هنا على منع تحول التنافس الإقليمي إلى حرب واسعة، والحفاظ على حرية الملاحة، وتجنب الضغوط الإضافية على الاقتصاد الوطني ،  وهي أهداف تتطلب دبلوماسية نشطة وفاعلة تجمع بين التواصل مع القوى الكبرى والتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

سادساً: المياه والقرن الإفريقي.. ارتباط آسيا بالأمن القومي المصري
أبرزت المحطة الكورية كذلك أن التوجه المصري شرقاً لا ينفصل عن قضايا الأمن القومي المباشر،  فقد أكد السيد الرئيس  الأهمية الوجودية لمياه النيل بالنسبة إلى مصر، مع دعم التنمية في دول الحوض ورفض الإجراءات الأحادية التي تنتهك مبدأ عدم الإضرار وأحكام القانون الدولي ذات الصلة.
كما تناولت مباحثات الشراكة الاستراتيجية الأوضاع في القرن الإفريقي واليمن وليبيا، إلى جانب حرية الملاحة الدولية ،  وهذه الملفات تكشف أن الحوار مع القوى الآسيوية يمكن أن يتجاوز العلاقات الثنائية إلى تبادل الرؤى بشأن مناطق تتقاطع فيها المصالح المصرية مع أمن التجارة والطاقة والاستقرار الإقليمي.
وتبرز أهمية هذا المسار في أن أمن مصر لا يتشكل داخل حدودها وحدها، بل يتأثر بما يجري في حوض النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي والشرق الأوسط ،  ومن ثم، فإن توسيع دائرة التشاور الدولي يمنح القاهرة فرصاً إضافية لشرح أولوياتها، وحشد الدعم لمواقفها، وتعزيز حضورها في قضايا الأمن الإقليمي.
وفي الختام 
تقدم الجولة الآسيوية للسيد الرئيس مؤشراً على سعي مصر إلى توسيع خياراتها الاقتصادية والسياسية في عالم تتزايد فيه المنافسة وتتعقد فيه الأزمات ،  وقد منحت الشراكة الاستراتيجية مع كوريا الجنوبية وماليزيا هذا التوجه مضموناً عملياً، عبر مفاوضات اتفاقية اقتصادية شاملة، ومجالات محددة للتعاون الصناعي والتكنولوجي، وآليات للحوار بشأن فلسطين والأمن المائي والممرات البحرية.
ويبقى الرهان الأوسع على  قدرة مصر على بناء شراكات متكاملة مع الدول الفاعلة في منطقة جنوب شرق آسيا ، وتحويل الفرص المتاحة إلى استثمارات وصادرات ونقل للتكنولوجيا، بالتوازي مع تنسيق سياسي يسهم في احتواء الصراعات وحماية المصالح الوطنية.

 

تم نسخ الرابط