عاجل

تعجّ المنصات الرقمية، مع حلول ذكرى انتصار السادس من أكتوبر عام 1973، بالموضوعات التي تستعيد أحداث الحرب وربما اكتسبت الذكرى هذا العام طابعًا مختلفًا، مع اهتمام صُنّاع المحتوى باستخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة تقديم وقائعها وشخصياتها، وقد تكون هذه الأعمال فرصة لجيل جديد للتعرّف إلى أبرز قادة الحرب على الجانبين المصري والإسرائيلي، وفي مقدمتهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، بطل الحرب والسلام.

تاريخ الرئيس السادات من أكثر فصول التاريخ المصري إثارةً للجدل، فقد وصفه الكاتب الصحفي موسى صبري بأنه «أسطورة»، بينما كرّس محمد حسنين هيكل جانبًا كبيرًا من كتاباته لانتقاد قراره توقيع اتفاقية السلام، معتبرًا أنه أضعف ما تحقق من نصر عسكري وأخرج مصر من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.

ومع تجدد ذكرى حرب أكتوبر، أجد أن من المناسب أن نعيد قراءة تجربة السادات؛ فهو شخصية استثنائية في تاريخ مصر، وسيرته تستحق كل هذا الجدل.

تبدأ هذه القراءة من عام 1970، حين تولّى السادات القيادة بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، كانت مصر تواجه أزمات متشابكة: أرض محتلة، وجيش يعيد بناء قدراته وتسليحه، واقتصاد يعمل في ظل أعباء الحرب، واحتجاجات طلابية متواصلة، إلى جانب صراع مع مراكز قوى نافذة، كانت ملفات ثقيلة تنتظر القيادة، في دولة بحجم مصر وثقلها؛ وهي مسؤولية بالغة الصعوبة والتعقيد.

كيف تمكن السادات ان يجمع شتات مصر ويتغلب على كل هذه التحديات الثقيلة ويقود الجيش المصرى من نكسة الى انتصار حقيقى هو الاول فى التاريخ على دولة الاحتلال ؟ ، افضل اجابة على هذا السؤال كتبتها مجلة التايم الامريكية فى تأبين السادات ، قالت «كان رجلًا عظيمًا يجعل الأمور الصعبة تبدو سهلة» ، وهو كان كذلك بالفعل.

بالحسابات السياسة والعسكرية ، كان من المستحيل ان يتحقق ذلك الانتصار الكبير ، فميزان القوى كان فى صالح اسرائيل المدعومة من امريكا والغرب ، فيما كان السلاح المصرى لا يقارن بالسلاح الاسرائيلى المتقدم ، كانت رهانات السادات محدودة ، فيما عدا رهان واحد وهو ارادة المصريين شعبا وجيشا.

فعلها بهذه السهولة راهن على المصريين ، وكان الرهان صائب ، سدت عناصر القوات الخاصة انابيب النابلم الحارقة وعبر المصريين القناة بالقوارب المطاطية ، واسقطوا الساتر الترابى باندفاع المياة وسيطروا على النقاط الحصينة بالاشتباك المباشر وتقدموا فى سيناء لمدى صواريخ الدفاع الجوى ،افشلوا الهجوم المضاد وحاصروا الثغرة بل وتكشف الوثائق ان الجيش المصرى كان يستعد لتوجيه ضربة ساحقة لها.

انتهى دور السلاح ثم جاءت لحظة التعامل مع الواقع السياسى، وقرر السادات ان يستعيد باقى الارض بالسلام وهنا كانت المعركة الأكبر، ان تحصل على باقى الارض عبر التفاوض مع طرف مراوغ لا يترك ارضا لاحد فى وجود قوى عظمى منحازة لدولة الاحتلال على طول الخط.

ثم كان التحرك الاخطر وهو الذهاب الى اسرائيل ، لحظة تاريخية مشحونه، مغامرة جرئية افقدت العدو توازنه السياسي، وانهارت عندها حصون إسرائيل الدبلوماسية يسار السادات فى طريق الاشواكؤ ضد الساسة العرب وضد الاعلام العربى ، سار ضد الجميع من اجل استعادة كامل الارض . 
فعلها مرة اخرى بهذه السهولة ، وحكم التاريخ الان كان فى صفة ، لقد انتصرت السياسية للسلاح ، واليوم مصر جنت ثمار هذه الخطوة ، استردت كامل ارضها ، وبنت جيشاً هو الاقوى فى المنطقة يمكنه الدفاع عن الدولة فى مواجهة كل المخاطر ، استكملت مصر مسار السلام الذى امتد لدول اخرى ، التاريخ يقول اليوم ان مصر هى الدولة الوحيدة التى استعادت كامل اراضيها بينما الاحتلال لازال موجودا فى اراضى دول اختارت مسار اخر .
في حديثه عن رجل الدولة، رسم هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق، صورة القائد الذي يقرأ موازين الواقع، ويستخرج من الظروف أقصى ما تتيحه، من دون أن يفقد رؤيته أو يغفل حساب المخاطر، فالقائد، في نظره، يدرك أن التاريخ أبعد أفقًا من انفعالات اللحظة.
وهذه الصورة تضيء تجربة السادات بوضوح؛ فقد حوّل هامشًا ضيقًا للحركة إلى فرصة غيّرت مسار الأحداث، وانتقل بمصر من واقع الهزيمة إلى استعادة الأرض، ولم يكتفِ بمجاراة الشعارات السائدة، بل أسّس نهجًا في الواقعية السياسية جعل النتائج الملموسة معيارًا للقرار، حتى حين سار في طريق خالف فيه كثيرين.
ربما لا ندرك عمق كلمات السادات إلا حين نتأمل ما آلت إليه منطقتنا اليوم. ففي خطاب ألقاه أمام مجلس الشعب في 16 أكتوبر 1973، قال: «إن التمني بلا إرادة نوع من أحلام اليقظة، يرفض حبي وولائي لهذا الوطن أن نقع في سرابه أو في ضبابه». لم تكن كلماته مجرد وصف للحظة انتصار؛ بل كانت خلاصة رؤية تقوم على تحويل الأماني إلى إرادة، والإرادة إلى فعل، والفعل إلى نتائج.
لم يلتفت الجيل الجديد إلى الجدل السنوي كي يحكم على بطولة السادات؛ فقد قرأها في نتائجها، و لم تشغله محاولات التشكيك الإسرائيلية في نصر أكتوبر أو تصويره كأنه لم يكن انتصارًا لأحد، ولم تحجب عنه الحملات الإخوانية التي استهدفت تشويه صورة السادات، وحتى مشهد حضور عدد من قتلة السادات احتفالية أكتوبر عام 2012، بدعوة من الرئيس الإخواني وفي عام حكمهم المشؤوم، لم يغيّر ما استقر في وجدان هذا الجيل.
لقد رأى الجيل الجديد الحقيقة فصور السادات بطلًا بين جنوده؛ قائدًا انتصر بالسلاح، وحقق هدفه فى معركته بالسياسة حتى عادت سيناء إلى مصر، واليوم، تشهد أرضها عمرانًا ومشروعات كبرى، ويشارك أبناؤها في بناء الوطن، هكذا حكموا عليه: بما أنجزه، لا بما قيل عنه.
في زيارتي للسادات، وجدت أن الأستاذ موسى صبري كان الأقرب إلى وصفه حين قال إننا أمام أسطورة؛ قائد تاريخي تتوافر في قصته كل مقومات الأسطورة، وبعد أكثر من 53 عامًا على الحرب والسلام، أنصفه التاريخ، وترك لنا درسًا مهمًا: ليس كل قرار صحيح يحظى بالتصفيق لحظة اتخاذه؛ فقد يكون اختيارًا صعبًا لا تتضح حكمته إلا بعد أن تكشف السنوات عواقبه ونتائجه، عندها ندرك أن القرار الذي بدا مخاطرة أو خروجًا على المألوف كان هو الطريق إلى الهدف، وهكذا ينصف الزمن القادة أصحاب القرارات الشجاعة؛ فالتاريخ لا يتوقف عند اختلاف الآراء حول القرار، بل عند ما حققه للوطن.

تم نسخ الرابط