عاجل


المشكلة ليست أن مصر لا تملك عقولًا عظيمة، بل أنها لم تستثمر بعد كل هذه العقول بما يكفي لصناعة دولة عظيمة علميًا!
ألف مبروك لعلمائنا الذين تضمهم قوائم الـ2% الأكثر تأثيرًا في العالم، وكل التقدير لكل باحث مصري يرفع اسم بلده في المحافل الدولية. لكن وسط زحام التهاني وصور التكريم والاحتفاء بالأرقام، يظل هناك سؤال لا ينبغي أن نخشى طرحه: إذا كانت عقولنا بهذه الكفاءة، فلماذا لا تزال الفجوة واسعة بين ما ينتجه علماؤنا وما نراه في واقعنا من تقدم علمي وصناعي وتكنولوجي؟
هذا ليس تقليلًا من إنجاز أحد، ولا تشكيكًا في قيمة البحث العلمي، بل هو احترام حقيقي للعلماء، وإيمان بأن قيمة العالم لا تتوقف عند مكانته في التصنيفات، وإنما تمتد إلى ما يستطيع علمه أن يغيره في حياة الناس.
المؤلم أن نحتفل بالعقل المصري حين يثبت تميزه في الخارج، بينما لا نطرح بالقدر نفسه سؤالًا عن البيئة التي يحتاج إليها هذا العقل كي يصنع الفارق في الداخل.
فالتصنيف الدولي يمنح الباحث اعترافًا بمكانته وفق معايير محددة، لكنه لا يمنح الدولة تلقائيًا مكانة علمية متقدمة، ولا يحول الأبحاث المنشورة وحدها إلى مصانع متطورة، أو أدوية مبتكرة، أو تقنيات تنافس المنتجات العالمية. المسافة بين الأمرين هي المساحة التي تُصنع فيها النهضة الحقيقية؛ حيث تتحول الفكرة إلى اختراع، والاختراع إلى منتج، والمنتج إلى صناعة، والصناعة إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستقلال تكنولوجي.
وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بأسئلة أكثر جرأة: كم بحثًا مصريًا خرج من صفحات المجلات العلمية إلى خطوط الإنتاج؟ وكم ابتكارًا جامعيًا أصبح شركة ناجحة؟ وكم مشكلة في الصناعة والزراعة والطاقة والصحة وجد حلها داخل معاملنا؟ وكم جنيهًا تستثمره مؤسسات الإنتاج في الاستفادة من المعرفة التي ينتجها الباحثون؟
لا يكفي أن نعرف عدد علمائنا في القوائم العالمية، بل نحتاج إلى معرفة عدد الأبحاث التي تحولت إلى تطبيقات، وحجم التمويل الذي جذبته الابتكارات، ومدى مساهمة الجامعات ومراكز البحوث في زيادة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة.
فالدول لا تتقدم لأنها تمتلك علماء لامعين فحسب، بل لأنها تعرف كيف تجعل العلم جزءًا من قوتها الاقتصادية، وكيف تحول المعرفة إلى قرار، والابتكار إلى استثمار، والبحث العلمي إلى قدرة على المنافسة.
ولا يجوز أن نضع الباحث وحده في قفص الاتهام؛ فالعالم الذي يعمل بإمكانات محدودة، ويبحث عن تمويل مستقر، ويحتاج إلى شريك صناعي يتبنى فكرته، لا يستطيع بمفرده أن يصنع منظومة ابتكار متكاملة. هنا تأتي مسؤولية الدولة والجامعات والقطاع الخاص، من خلال تمويل الأبحاث ذات الأولوية، وربطها باحتياجات المجتمع، وتيسير تسجيل براءات الاختراع، وتشجيع الشركات على الاستثمار في الابتكار، وتوفير مسارات واضحة لتحويل نتائج الأبحاث إلى مشروعات اقتصادية.
نحتاج إلى الانتقال من ثقافة الاحتفاء بالإنجاز بعد وقوعه إلى ثقافة صناعة الإنجاز من البداية. نحتاج إلى أن تصبح لدينا خريطة وطنية للأبحاث التي تخدم احتياجات مصر، ومؤشرات تقيس أثرها، وآليات تضمن ألا تظل الأفكار الواعدة حبيسة الأدراج، أو تتحول إلى أرقام في تقارير سنوية لا يشعر المواطن بنتائجها.
إن تكريم العلماء ضرورة، لكن تحويل العلم إلى قوة ضرورة أكبر. والاعتزاز بالباحثين واجب، لكن توفير الظروف التي تسمح لهم بالإنتاج والابتكار واجب لا يقل أهمية.
لسنا أمام معركة بين التهنئة والنقد، بل أمام اختبار لقدرتنا على الانتقال من امتلاك العقول إلى امتلاك أدوات التقدم.
ألف مبروك لعلمائنا، لكن التهنئة التي ننتظرها جميعًا ليست مجرد إعلان عن اسم مصري جديد في قائمة عالمية؛ إنها اليوم الذي نرى فيه ابتكارًا مصريًا ينافس عالميًا، ودواءً تنتجه عقولنا، وتقنية تطورها معاملنا، ومصنعًا يرفع إنتاجيته ببحث جامعي، ومشكلة مزمنة تجد حلها في مركز علمي مصري.
عندها فقط لن يكون السؤال: لماذا لا نصنع من هذه الأسماء نهضة علمية؟ بل سنكون أمام واقع يجيب عن السؤال بنفسه.
فالعالم الذي يضيف اسمه إلى قائمة دولية يستحق التهنئة، أما الوطن الذي يحوّل علم علمائه إلى قوة إنتاج وتقدم، فيستحق أن يصنع المستقبل

تم نسخ الرابط