اقتصاد ينمو واحتياطي يرتفع.. لماذا بقي تصنيف مصر عند B؟
أبقت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني على تصنيف مصر السيادي طويل الأجل بالعملات الأجنبية عند مستوى «B»، مع نظرة مستقبلية مستقرة، في قرار يعكس تحسنًا في عدد من المؤشرات الاقتصادية والخارجية، مقابل استمرار ضغوط الدين والتمويل والتضخم.
وبالنظر إلى تفاصيل تقييم الوكالة، فإن تثبيت التصنيف لا يعني غياب المخاطر، كما لا يمثل في الوقت نفسه تراجعًا في تقييم الاقتصاد المصري، وإنما يعكس استمرار حالة التوازن بين عوامل داعمة للتصنيف وأخرى تحد من إمكانية رفعه خلال الفترة الحالية.
النمو والاحتياطيات يدعمان التصنيف
أظهرت بيانات «فيتش» تحسنًا واضحًا في أداء الاقتصاد المصري، إذ تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 5.1% خلال السنة المالية 2025-2026، بدعم من تعافي السياحة وتحسن أداء بعض القطاعات التصديرية.
وتتوقع الوكالة تباطؤ النمو إلى 4.7% خلال السنة المالية 2026-2027، مع استمرار الضغوط التضخمية، قبل أن يتحسن تدريجيًا خلال السنوات التالية.
وعلى مستوى القطاع الخارجي، ارتفع الاحتياطي النقدي إلى 54.4 مليار دولار، وهو ما يمثل أحد العوامل الداعمة لقدرة الاقتصاد على مواجهة احتياجاته من النقد الأجنبي والصدمات الخارجية.
كما اعتبرت «فيتش» أن مرونة سعر الصرف والإجراءات المرتبطة بإصلاح أسعار الطاقة وضبط المالية العامة ساعدت في تحسين قدرة الاقتصاد على التعامل مع الضغوط الخارجية.
لكن الدين لا يزال نقطة الضغط الرئيسية
في المقابل، تظل أعباء الدين العام وخدمته من أبرز نقاط الضعف في التصنيف الائتماني لمصر.
وتشير تقديرات «فيتش» إلى أن تكلفة فوائد الدين تستحوذ على نسبة مرتفعة من إيرادات الحكومة، إذ بلغت نحو 63% خلال السنة المالية 2025-2026، قبل أن تتوقع تراجعها إلى 52% بحلول السنة المالية 2027-2028.
كما تتوقع الوكالة انخفاض نسبة الدين الحكومي إلى نحو 72% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية السنة المالية 2027-2028.
ورغم هذا الانخفاض المتوقع، تظل أعباء الدين وخدمته مرتفعة مقارنة بالدول الأخرى المصنفة ضمن الفئة «B»، وهو ما يحد من مساحة المناورة المالية أمام الحكومة.
عجز الحساب الجاري.. ضغط آخر على الاقتصاد
لم يقتصر تقييم «فيتش» على المالية العامة، إذ يمثل وضع الحساب الجاري أحد الملفات التي تحتاج إلى تحسن مستمر.
وتتوقع الوكالة وصول عجز الحساب الجاري إلى 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2025-2026، مدفوعًا بارتفاع فاتورة واردات الطاقة واتساع العجز التجاري.
لكن التوقعات تشير إلى إمكانية انخفاض العجز إلى أقل من 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول السنة المالية 2027-2028، بدعم من تحسن إيرادات السياحة وتطور الميزان التجاري.
وهنا تظهر أهمية قدرة الاقتصاد على توليد موارد مستدامة من النقد الأجنبي، بدلًا من الاعتماد بصورة أكبر على التدفقات التمويلية والاستثمارات قصيرة الأجل.
هل انتهى دور صندوق النقد؟
من النقاط اللافتة في تقييم «فيتش» توقعها عدم دخول مصر في برنامج تمويلي جديد مع صندوق النقد الدولي بعد انتهاء البرنامج الحالي.
لكن ذلك لا يعني توقف الدعم الخارجي للاقتصاد المصري، إذ تتوقع الوكالة استمرار الحصول على تمويل ودعم من مؤسسات دولية أخرى، من بينها البنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
وترى «فيتش» أن استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، والحفاظ على مرونة سعر الصرف، وضبط المالية العامة، ستكون عوامل مهمة في الحفاظ على استقرار التصنيف.
ماذا تحتاج مصر لرفع التصنيف؟
الأرقام التي عرضتها «فيتش» توضح أن الطريق إلى رفع التصنيف لا يرتبط بمؤشر واحد، وإنما بتحسن مجموعة من المؤشرات في الوقت نفسه.
خفض الدين العام وتكلفة خدمته يمثلان عاملًا رئيسيًا، بالتوازي مع تقليص عجز الحساب الجاري والحفاظ على مستويات مريحة من الاحتياطيات الأجنبية.
كما يمثل خفض التضخم واستمرار النمو الاقتصادي وتحسين قدرة الاقتصاد على توليد تدفقات مستدامة من النقد الأجنبي عوامل يمكن أن تدعم أي تحسن مستقبلي في التصنيف.
وبالتالي، فإن قرار «فيتش» يضع الاقتصاد المصري أمام معادلة واضحة: تحسن النمو والاحتياطيات من جهة، مقابل استمرار أعباء الدين والتمويل الخارجي من جهة أخرى. وتحول هذا التحسن إلى مسار مستدام سيكون العامل الأهم في تحديد اتجاه التصنيف خلال المراجعات المقبلة.