محمد الباز يكتب: مهنة في محنة.. الصحافة ليست جريمة.. و«متصدقش» ليست صحافة
نشر الكاتب الصحفي والإعلامي محمد الباز مقالًا في مجلة «حرف» الثقافية، تناول خلاله الجدل الدائر حول قضية منصة «متصدقش» وتوقيف عدد من العاملين بها، منتقدًا موقف نقابة الصحفيين من القضية وطريقة تناولها، ومناقشًا ما وصفه بإشكاليات مهنية تتعلق بالعمل الصحفي ومسؤولية الصحفي تجاه الجهة التي يعمل بها. كما تطرق المقال إلى عدد من القضايا المرتبطة بأوضاع المهنة ودور النقابة وأولوياتها خلال المرحلة الراهنة.
مهنة فى محنة.. الصحافة ليست جريمة.. و«متصدقش» ليست صحافة
محمد الباز
منصة «متصدقش» مارست خلال سنوات أكبر عملية نصب باسم الصحافة
كان أولى بالنقيب الأستاذ خالد البلشى أن يلتفت لمشاكل المهنة وأزمات الصحفيين
قد لا يشغلك من قريب أو بعيد حالة الصخب التى تسيطر على المشهد الصحفى، وهى حالة مضطربة ومرتبكة اختلطت فيها المعايير وتبددت القيم وتبعثرت الأسس التى كان ينظر بها المجتمع إلى الصحافة المصرية، التى كانت مرآته، والمعبرة عنه، والمدافعة عن قضاياه، والمتبنية لآرائه، والناقلة لأفكاره، فإذا بها تصبح ملعونة ومطاردة من الجميع.
لا أحد الآن ينظر إلى الصحافة المصرية بعين التقدير.. حتى من يعملون بها أصبحوا أكثر لاعنيها قسوة وحدة وربما غشمًا أيضًا.
يرتاح الصحفيون إلى تفسير حال الصحافة بأن قوى خارجية هى من قادتها إلى هذا المصير، وضعتها فى هذا المأزق، أردتها قتيلة على قارعة الطريق بلا رحمة، وأن هناك من خطط ودبر لتفقد الصحافة هيبتها بعد أن فقدت بريقها، وأن أيادى عابثة هى التى امتدت لتجعلنا أضحوكة يتسلى بها العابرون، ويمصمص شفاههم اللاهون على ما أصبحت عليه.
فعل الصحفيون ذلك دون أن يمارسوا ولو لمرة واحدة نقدًا ذاتيًا لأنفسهم ولأدائهم ولما يقدمونه للمجتمع، فالضربة جاءت من داخلنا، قبل أن تأتينا أى ضربات من خارجنا، وهذه حقيقة لا يجب أن نغفلها أو ننكرها أو نتنكر لها، لأننا بذلك سندور فى دائرة مفرغة، ولن نصل إلى شىء، وسنظل هكذا نعانى دون أن يرفق بنا أحد، أو يشفق علينا أحد.
لقد كنا نحن السبب الأول والرئيسى والأساسى لما وصلت إليه صحافتنا، ولا أستبعد أنها تشكو أبناءها لربها صباح مساء.
يتعامل كثيرون فى الوسط الصحفى مع واقعة منصة «متصدقش» على أنها أزمة عابرة.
مجموعة من الصحفيين تم القبض عليهم بتهمة العمل لصالح منصة يتم تمويلها من قبل منتمين إلى الجماعة الإرهابية، وجهت لهم النيابة تهمًا محددة وهى: الانضمام لجماعة إرهابية، ونشر أخبار كاذبة وترويج معلومات غير صحيحة عبر الإنترنت، وسوء استخدام وسائل التواصل، وفى مقابل ذلك تقوم مجموعات بالدفاع عن الصحفيين الستة المقبوض عليهم بدافع واضح وهو أن الصحافة ليست جريمة.
فى نفس خندق المدافعين عن الستة دخلت نقابة الصحفيين على الخط- وهو بالمناسبة دورها وواجبها- وأعلنت عبر بيان لها عن أنها شكلت لجنة دائمة برئاسة النقيب لمتابعة القضية، والاستعانة بكل الخبرات القانونية لدعم الزملاء، وطالبت بالإفراج عنهم بضمان النقابة، أو أى ضمانات أخرى تراعى حداثة أعمار بعضهم وقلة خبراتهم.
وخطت النقابة خطوة واسعة فى الدفاع عن الزملاء، عندما قالت إنهم اتخذوا الإجراءات القانونية لإثبات عملهم وتقنين أوضاعهم من خلال تعاقدات رسمية قدموا صورًا منها للبنوك المصرية، وصاروا يتلقون أجورهم عن طريقها، ما يؤكد حرصهم على القوانين المصرية أثناء ممارساتهم لعملهم، وبما يدلل على حسن نيتهم، وهو ما يقصر مسئوليتهم فقط على ناتج عملهم المهنى، خاصة أن الصحفيين غير مسئولين عن التحقق من مصادر تمويل المؤسسة التى يعملون بها، بل إن سلطات الدولة هى المنوط بها ذلك باعتباره أمرًا يتعذر على الأشخاص العاديين الوقوف عليه.
مجلس النقابة أعلن بالفعل عن أنه فى حالة انعقاد دائم لمتابعة قضية الزملاء، محاولًا تبرير موقفهم بأنهم كانوا قد تقدموا بالعقود بعد أزمة مشابهة قبل ثلاث سنوات، وتم الإعلان وقتها عن أسماء جميع العاملين بالمنصة، بينهم ثلاثة من المقبوض عليهم بخلاف زميل رابع تم توقيفه ليومين قبل أن يتم إخلاء سبيله بعد تدخل النقابة دون توجيه أى اتهامات له أو لبقية الزملاء، وبعدها استمر الزملاء بالعمل، بما ينفى أى شبهة عليهم بخلاف عملهم المهنى.
تعتقد النقابة أنها بذلك فعلت ما عليها بشكل كامل، فهى تدافع عن الزملاء لأن هذا واجبها، لكن ما لا تدركه النقابة فيما يبدو أنها مارست ضدنا تدليسًا كاملًا، ثم إنها من حيث لا تدرى قامت بتسليم الزملاء الستة وأقرت بجريمتهم.
مارست النقابة تدليسًا عامًا ومعلنًا، عندما ادعت أن الزملاء قننوا أوضاعهم، وقدموا تعاقدات رسمية للبنوك لتحويل أجورهم عليها وصرفها من خلالها وهو ما يؤكد حسن نيتهم.
حاولت النقابة الإيحاء بأن قبول البنوك تعاقدات الزملاء وإجراء المعاملات المالية من خلالها، يعنى أن هذه الجهة لا شبهات عليها.
وهنا يظهر التدليس الكامل، لأن البنوك ليست جهة تحقيق أو تدقيق، فهى تتعامل مع الأوراق المقدمة إليها، ولا شأن لها بهوية الجهة التى أبرمت التعاقدات مع الزملاء، هذه مهمة جهات أخرى، وعليه فتقديم الزملاء لعقود عملهم إلى البنوك لا يثبت حسن النية، وقبول البنوك للتعامل بمقتضى الأوراق التى وقعتها الشركات التى يعمل معها الزملاء لا يعنى أبدًا أنها فوق مستوى الشبهات.
أما عن تسليم النقابة الواضح للزملاء وإقرارها بجريمتهم، فيظهر لنا فى ادعائها بأن الصحفيين غير مسئولين عن التحقق من مصادر تمويل المؤسسة التى يعملون فيها، وهو كلام لا نملك إلا الضحك عليه والسخرية منه، والوقوف أمامه بأسى شديد، خاصة عندما يقال عن صحفيى منصة تم تقديمهم على أنهم صحفيون محترفون يقومون بتدقيق المعلومات والبحث عن صحتها.
وهنا أسأل النقابة: ألم يكن من الأولى بالصحفيين الذين وهبوا أنفسهم لتدقيق المعلومات وتصحيحها وتصويبها أن يعرفوا مع أى كيان يعملون، على الأقل من باب إراحة ضمائرهم؟
وكأنى بنقابة الصحفيين بهذا البيان وهذه الحجة الهزيلة المهترئة تتعامل مع العمل الصحفى وكأنه سبوبة، فليس مهمًا أن تعرف مع من تعمل، ولا أهداف من تحقق، طالما أنك تحصل على المقابل، فمن يدفع هو المسئول، أما الصحفى فهو مجرد أجير ليس مسئولًا عن غايات ومرادات العمل الذى يقوم به، ولا فى أى مصلحة ينتهى، أو إلى أى مصب يتدفق.
لو كان هذا ما تقصده نقابة الصحفيين فى بيانها.. فهو عيب ونقيصة تنال من مجلس النقابة كله، خاصة أن بيانها هذا صدر بإجماع أصوات المجلس الموقر، كما يقولون.
يعرف أعضاء فى مجلس النقابة أن الزملاء الذين تم القبض عليهم كانوا يعرفون جيدًا هوية المنصة التى يعملون لصالحها، وكانوا يعرفون جيدًا مصدر أموالها، وكانوا يعرفون جيدًا كذلك الأهداف التى تسعى إلى تحقيقها من وراء ممارساتها، ومن العيب أن تستخف النقابة بعقول الجميع عندما تتحجج بصغر سن الزملاء وقلة خبراتهم، فهم ليسوا كذلك.
أحد رؤساء التحرير الأفاضل كان يتحدث مع واحد من الزملاء الذين تم القبض عليهم، وكان قد مر على عمله فى منصة «متصدقش» أكثر من عامين، قال له: كفاية شغل مع الناس دى، فرد الزميل: كفاية ليه.. دول فلوسهم حلوة.
بمقارنة الأجور التى كان يحصل عليها الزملاء فى «متصدقش» سنتأكد أن فلوسهم بالفعل كانت حلوة، وتخيل أنت أن المنصة كانت تمنح العاملين فيها أجورًا تقدر بخمسة أضعاف ما يحصل عليه الصحفيون، وهنا تسأل ما الذى يجعل منصة تمنح صحفيين صغار السن قليلى الخبرة- كما تدعى النقابة- كل هذه الأموال، إلا إذا كان هؤلاء الزملاء صغيرى السن قليلى الخبرة، قد قبلوا ما رفضه الآخرون، وإلا إذا كانوا استسلموا لما أرادته منهم المنصة دون أن يناقشوا أو يسألوا أو يتحققوا.
والمضحك أنهم كانوا يسألون الجميع، ويتعقبون ما يقوله الجميع، يصححون ويدققون، ولم يفعلوا ذلك مع منصتهم، فلم يسألوا ولم يتعقبوا ولم يدققوا، ولم يكن ذلك كسلًا، بل كان تواطأ، لأنهم كانوا يعرفون بالضبط ما هى هوية هذه المنصة وما تريده، ووافقوا على أن يشاركوا فى جريمتها، ولم يترددوا، فقد كان ما يحصلون عليه مغريًا.
على مسئولية من تابعوا القضية عن قرب، وصلت ميزانية هذه المنصة من أموال التمويل الخارجية إلى مليون و١٤٠ ألف دولار فى السنة، أى أنهم كانوا يحصلون فى العام الواحد على ٥٧ مليون جنيه، وهى ميزانية لا تحلم بها مؤسسات صحفية كبرى عاملة فى مصر يعمل بها المئات من الصحفيين والفنيين والإداريين.. فهل يمكن أن يكون هذا التمويل بريئًا بأى معيار من المعايير؟
وضعت النقابة نفسها كذلك فى مأزق كبير عندما قالت نصًا: إن سلطات الدولة هى المنوط بها ذلك- التحقق من مصادر التمويل- باعتباره أمرًا يتعذر على الأشخاص العاديين الوقوف عليه.
حسنًا لقد قامت سلطات الدولة بعملها، وثبت لديها أن تمويل المنصة كما أهدافها مشبوهة، وأخذت إجراءاتها بالقبض على الصحفيين، أجرت تحرياتها وأصدرت قراراتها وقامت بالتنفيذ بناء على بحثها، فما الذى تعيبه النقابة على سلطات الدولة، ولماذا تبنت وقفات احتجاجية، ووقف أعضاء المجلس الموقر يرددون الهتافات ضد سلطات الدولة، رغم أن هذه السلطات لم تفعل أكثر مما طالبت به النقابة؟
لكل هذا فإننى أرى أن واقعة منصة «متصدقش» ليست أزمة عابرة، فهى قضية مفصلية كشفت عن عورات الجميع، ونزعت ورقة التوت التى كانت بالكاد تستر ما تبقى من الصحافة المصرية، كما أنها أوقفت نقابة الصحفيين عارية تمامًا فى عرض الطريق.
إننى أتخيل نقابة الصحفيين من خلال هذه الأزمة وكأنها نقابة بلا نقيب، نقابة تفتقد العقل الرشيد الذى يجب أن يدير هذه الأزمة كما ينبغى.
منذ شهور تواصل رئيس تحرير زميل كان تم توقيف زميل يعمل لديه مع نقيب الصحفيين الأستاذ خالد البلشى، وطلب منه التدخل للإفراج عنه، فقال له خالد إنه سأل عن هذا الزميل فعرف أن هناك شبهة انتمائه للإخوان.
صمت النقيب ولم يفعل شيئًا، وترك رئيس التحرير يتصرف فيما يخص الزميل الذى تم القبض عليه، وأثبت لجهات التحقيق أنه لا ينتمى إلى الإخوان، و لا تربطه أى صلة بالجماعة الإرهابية، وخرج من محبسه بعد أيام بعد التحقيق معه.
هذه الواقعة تجعلنى أسأل النقيب لماذا صمت فى الواقعة الأولى، ولماذا يشعل النار الآن فى الجميع؟ رغم تأكده من هوية المنصة التى يعمل فيها الزملاء الستة، ويعرف جيدًا أنها واحدة من منصات الجماعة الإرهابية، تعمل على تحقيق أهدافها.
لن أجيب بالطبع نيابة عن السيد النقيب.. وأترك له حرية أن يجيب أو يلتزم الصمت.
التدليس الأكبر الذى يحاول الزملاء الذين يدافعون عن منصة «متصدقش» هو أنهم يرفعون فى وجوهنا شعار «الصحافة ليست جريمة».
يفعلون ذلك وكأننا نختلف معهم، ونقول مثلًا- لا قدر الله- إن الصحافة جريمة.
يرفع الزملاء فى وجوهنا أيضًا شعار أنه «لا لحبس الصحفين»، وأنا مع هذا الشعار تمامًا، فلا يجب أن يتم حبس صحفى بسبب رأيه، لكن ماذا إذا كان ما يقدمه الصحفى ليس رأيًا، بل جريمة فى حق الدولة والمجتمع، هل يعفيه هذا الشعار من مسئوليته؟ ولماذا نرفض الحبس لمن نقف فى صفهم، ونستحله ونثنى عليه لمن يختلفون معنا؟
إننا نقر مقتنعين تمامًا بأن الصحافة ليست جريمة أبدًا، لكن هل ما قامت به منصة «متصدقش» صحافة؟
لقد مارست هذه المنصة خلال سنوات أكبر عملية نصب باسم الصحافة، وأنا مستعد لمناظرة أيًا مَن يكون فى شأن علاقة ما قامت به هذه المنصة، وهل هو عمل صحفى أم أنه مجرد عمل سياسى كان هدفه إرباك الدولة والمجتمع، فالمعايير واضحة لدى الجميع، أو هكذا يجب أن تكون، لكن هناك من يحاول التدليس باسمها، وكأن الصحافة مباحة ومستباحة.
كان أولى بالنقيب الأستاذ خالد البلشى الذى أعتز به وأقدره وأحترمه أن يلتفت لمشاكل المهنة وأزمات الصحفيين بدلًا من أن يبذل كل هذا الجهد فى قضية خاسرة.
إن هذا الهراء الذى نراه والذى سعى زملاء خلاله أن يثبتوا أن ما فعلته منصة «متصدقش» صحافة، يعود إلى عملية الاختراق الكبيرة التى جرت لمهنتنا.
فبعد ٢٥ يناير ٢٠١١ فتحت النقابة أبوابها لكل من هب ودب ليصبح عضوًا بالنقابة، دخلها نشطاء سياسيون لا يمتون للصحافة بصلة، وهؤلاء تغيب عنهم المعايير الصحفية الصحيحة والدقيقة، لكنهم أصحاب صوت عال، حولوا النقابة إلى ساحة عمل سياسى محض، وأعتقد أنه على النقيب إذا أراد أن يقدم شيئًا للنقابة أن ينظف جداولها ويطهرها من هؤلاء الدخلاء.
على النقيب أن يلتفت إلى قضية الصحفيين الإلكترونيين، ويبحث عن حل لمشكلتهم، أن يبحث عن موارد جديدة للنقابة، أن يرتفع بمستوى الصحفيين من خلال برامج التدريب الحقيقة، وليست برامج الشو الفارغة، أن يوفر أكبر قدر من الخدمات لهم، وهذا بدلًا من الدخول بالصحفيين فى قضايا خاسرة، فليس معقولًا أن يقف مجلس نقابة الصحفيين فى خندق واحد مع الجماعة الإرهابية ضد الدولة المصرية.
أعرف أن ما أقوله لن يعجب كثيرين، ولن يترددوا عن مهاجمته، والتطاول على من كتبه، وهو أمر اعتدت عليه، لا يزعجنى ولا تؤرقنى بذاءات من اختاروا أن يخرجوا علينا فى زى البلطجية الذين يستبدلون الأقلام بالشوم والألسنة المنفلتة التى تستحق قطعها، وهذا عيب آخر تقع فيه النقابة، ويجب أن تلتفت له، حتى لا تتحول فترة خالد البلشى إلى أسوأ فترة فى تاريخ نقابة الصحفيين، بعد أن كان مبشرًا بخير كثير للصحافة والصحفيين.. لكن يبدو أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.