من راعي أغنام إلى «أصغر جاسوس».. قصة الطفل صالح ودوره في حرب أكتوبر
مع حلول الذكرى الـ 53 لانتصارات حرب أكتوبر، تعود إلى الواجهة قصص البطولات التي ارتبطت بحرب التحرير، والتي لم تقتصر على الجنود والضباط الذين خاضوا المعارك، بل امتدت أيضًا إلى شخصيات شاركت بأدوار مختلفة في الإعداد للنصر.
ومن بين هذه القصص، تبرز حكاية الطفل صالح، التي ارتبطت بعمل المخابرات المصرية داخل سيناء المحتلة، بعدما وجد طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره نفسه في قلب مهمة بالغة الخطورة، مستفيدًا من براءته في الوصول إلى معلومات عن مواقع القوات الإسرائيلية.
وتحكي قصة صالح رحلة بدأت من حياة بسيطة في صحراء سيناء، حيث كان يرعى الأغنام ويبيع بيض الدجاج، وانتهت به إلى العمل ضمن مهمة استخباراتية، بعدما تمكن من جمع معلومات عن مواقع العدو وتحركاته، وهو ما ساهم في الاستعداد لحرب أكتوبر 1973.
البداية.. لقاء غير حياة الطفل صالح
تعود بداية القصة إلى عام 1968، في الفترة التي كانت فيها مصر تعيد ترتيب صفوفها بعد نكسة 1967، بينما كانت المخابرات العامة المصرية تعمل على جمع المعلومات عن القوات الإسرائيلية الموجودة في سيناء.
وفي إحدى المناطق الصحراوية، كان صالح يعيش مع والده الشيخ عطية ووالدته مبروكة علم الدين بالقرب من بئر ناءٍ، ويمارس حياته اليومية في رعي الأغنام وتربية الدجاج.
لكن حياة الطفل تغيرت بعد وصول ضابط مخابرات مصري يُدعى «كيلاني» إلى المنطقة متخفيًا في هيئة تاجر مخدرات أعرابي، بهدف التواصل مع سكان المكان.
واستضاف والد صالح الضابط في كوخه، وهناك بدأ التعارف الذي قاد إلى تفاصيل أخرى في القصة.
ذكاء صالح يقود إلى تجنيده
كان هدف «كيلاني» في البداية هو تجنيد والد صالح، إلا أن الضابط لاحظ ما يتمتع به الطفل من ذكاء وسرعة بديهة، ليتجه تفكيره إلى الاستعانة به في جمع المعلومات من داخل المواقع الإسرائيلية.
وبعد حصول صالح على التدريب والتعليمات اللازمة، بدأ تنفيذ مهمته دون أن يلفت الانتباه إليه، مستفيدًا من سنه وبراءته في التحرك داخل المناطق التي توجد بها قوات الاحتلال.
وكانت المهمة تعتمد على نشاط يبدو عاديًا بالنسبة لطفل في مثل سنه؛ بيع بيض الدجاج للجنود الإسرائيليين داخل مواقعهم.
البيض كان وسيلة للوصول إلى مواقع العدو
ساعد بيع البيض صالح على بناء علاقة مع الجنود الإسرائيليين، ومع مرور الوقت أصبح وجوده داخل نقاط المراقبة أمرًا مألوفًا بالنسبة لهم.
كان الطفل يجلس ويتحدث ويمرح مع الجنود، وفي الوقت نفسه يلاحظ تفاصيل المواقع العسكرية المحيطة به، من أماكن المدافع والأسلاك الشائكة إلى أعداد الحراس ومواقع نوم الضباط.
وخلال أربعة أشهر، تمكن صالح من جمع معلومات مهمة عن مواقع القوات الإسرائيلية، شملت ثغرات حقول الألغام، ومواقع الأسلحة الثقيلة، وخزانات المياه، وغرف القيادة.
واعتمدت المخابرات المصرية على هذه المعلومات في إعداد الخطط الميدانية استعدادًا للمعركة التي كانت تقترب.
مهمة تنصت داخل مواقع القيادة الإسرائيلية
ومع اقتراب موعد الحرب، انتقل دور صالح إلى مرحلة أكثر خطورة، ففي سبتمبر 1973 كلف بزرع أجهزة تنصت صغيرة داخل مواقع القيادة الإسرائيلية.
ورغم خطورة المهمة، أصر الطفل على تنفيذها بنفسه، وتمكن من تثبيت أجهزة التنصت داخل المواقع المستهدفة دون أن يتم اكتشافه، قبل أن يعود إلى ضابطه سالمًا.
وأتاحت هذه الأجهزة، وفقًا للرواية، للمخابرات المصرية متابعة تحركات وأوامر الجانب الإسرائيلي خلال الفترة التي سبقت اندلاع حرب أكتوبر، وهو ما ساهم في الاستعداد للمعركة ونجاح عملية العبور.
إبعاد صالح عن سيناء قبل اندلاع الحرب
وقبل اندلاع حرب أكتوبر بنحو 20 يومًا، صدرت تعليمات بنقل صالح وأسرته إلى القاهرة، حفاظًا على حياتهم، وهناك استقبلهم الرئيس الراحل أنور السادات في «ميت أبو الكوم».
وبعد انتهاء الحرب وتحقيق النصر، جرى تكريم صالح تقديرًا للدور الذي قام به خلال فترة الإعداد للمعركة.
ولم تتوقف رعاية المخابرات المصرية له عند التكريم، إذ تكفلت بتعليمه، حتى أصبح لاحقًا ضابطًا رفيع المستوى في أحد الأجهزة الأمنية.