المستشار طاهر الخولي يكتب : «أحمد الزند» درع استقلال القضاء
في لحظات فارقة من تاريخ القضاء المصري، تتجلى قيمة الرجال الذين اختاروا الدفاع عن استقلال المؤسسة القضائية مهما اشتدت الضغوط، ويأتي المستشار الراحل أحمد الزند في مقدمة الأسماء التي ارتبطت بمواقف حاسمة دفاعًا عن هيبة القضاء وسيادة القانون.. في سطور المقال التالي يتحدث المستشار طاهر الخولي عن أبرز المحطات في حياة الراحل المستشار أحمد الزند.
وإلى نص المقال :
هناك رجال تُصنع المواقف بأسمائهم، وهناك محطات كبرى فى تاريخ الأمم يظل صداها يتردد طويلاً لأنه ارتبط بالدفاع عن الثوابت والوجود والمبادئ، وحين يُذكر الصمود فى وجه العواصف العاتية، والدفاع الشرس عن هيبة الدولة ومؤسساتها، يبرز اسم المستشار الراحل أحمد الزند كعلامة فارقة فى الذاكرة الوطنية والقضائية المصرية؛ رجل لم يتردد يوماً فى أن يكون درعًا حصينًا يذود عن قلاع العدالة حين استهدفتها التيارات المعاكسة.
خلال رئاسته لنادى قضاة مصر، ظهرت قوة المستشار أحمد الزند فى مواجهة محاولات تنظيم الإخوان الإرهابى، بسط نفوذه على مؤسسات الدولة، ولا سيما مؤسسة القضاء، وقتها اتخذ نادى القضاة مواقف حاسمة تجاه عدد من الإجراءات والقرارات التى اعتبرها القضاة مساسًا باستقلال القضاء ومبدأ الفصل بين السلطات، وبصوت عال وقف «الزند» ليعلن أن القضاء المصرى لا يخضع لجماعة أو حزب أو سلطة عابرة، وإنما يستند إلى القانون والضمير الوطنى.
وكان الإعلان الدستورى الصادر فى نوفمبر 2012 محطة فارقة فى هذه المواجهة، بعدما تضمن تحصين بعض قرارات رئيس الجمهورية من الطعن القضائى، وهو ما أثار اعتراضات واسعة داخل الأوساط القضائية؛ إذ رأت الجماعة فى تلك الإجراءات محاولة لتغليب الإرادة السياسية على أحكام الدستور والقانون، وفى أزمة منصب النائب العام، تمسك نادى القضاة باستقلال النيابة العامة، ورفض ما اعتبره تدخلًا من جماعة الإخوان ورئيسهم فى شئون العدالة، معلنا أن المناصب القضائية لا يجوز أن تكون رهينة للتوجهات الحزبية أو الحسابات السياسية.
ولم يكن موقف الزند دفاعًا عن فئة أو امتياز للقاضى، بل كان دفاعًا عن المواطن قبل القاضى، فالمواطن لا يستطيع أن يثق فى العدالة إذا شعر أن الأحكام أو المناصب القضائية يمكن أن تتأثر بإرادة سياسية عابرة، واستقلال القضاء ليس حقًا للقضاة وحدهم، وإنما هو حق أصيل لكل مواطن يبحث عن الحماية والإنصاف، وضمانة أساسية لاستقرار الدولة وصون حقوق الناس.
لقد أدرك المستشار الراحل أحمد الزند، أن الدولة القوية ليست التى تذوب فيها المؤسسات داخل بعضها، وإنما التى يعرف كل طرف فيها حدود اختصاصه ويحترم اختصاص الآخرين، فالقضاء لا يستمد هيبته من قوة القاضى الشخصية، بل من قوة القانون، ومن ثقة المواطن فى أن ميزان العدالة لا يتغير بتغير الأشخاص أو الحكومات أو الظروف السياسية.
إن الدفاع عن القضاء لا يعنى الوقوف فى مواجهة السلطة، بل يعنى حماية السلطة من الفوضى ومن تحكم الأهواء السياسية فى مؤسسات الدولة، فلا عدالة بلا قضاء مستقل، ولا دولة قوية بلا قانون، ولا وطن آمنًا إذا تحولت مؤسساته إلى أدوات فى يد جماعة وتنظيم وتيار.
رحل جسد المستشار أحمد الزند وورى الثرى الأسبوع الماضى، لكنه ترك وراءه سيرة حافلة بالمواقف ورسالة واضحة للأجيال الجديدة من رجال القانون مفادها أن الدفاع عن استقلال القضاء هو دفاع عن الدولة، وحماية للقانون، وصون لحقوق المواطن، وحصن للعدالة