عاجل

ليس من الصعب أن تعقد حكومة ما مؤتمراً تستعرض فيه ما أنجزته، لكن الصعب، والأهم، أن يتحول هذا المؤتمر المزمع  إلى حوار وطني حقيقي حول ما تحقق، وما لم يتحقق، ولماذا، وما الذي ينبغي فعله بعد ذلك.

من هذه الزاوية تحديداً تكتسب الدعوة إلى انعقاد " منتدى مصر 2026"  أهميتها؛ فالمنتدى، كما أعلن السيد الرئيس ، يبدأ أعماله في 19 أكتوبر ويستمر حتى 24 أكتوبر2026 ، بعد إطلاق جلساته التحضيرية وموقعه الإلكتروني لإتاحة المشاركة أمام مؤسسات الدولة والخبراء والمواطنين وتلقي آرائهم ومقترحاتهم.

واللافت في الفكرة أن المناسبة لا تبدو، وفق التصور المعلن، مجرد مؤتمر لعرض حصيلة السنوات الماضية أو مناسبة إعلامية تتناول عدد المشروعات والأرقام ،  فقد أكدت الحكومة أن الهدف يتجاوز عرض الإنجازات إلى الإجابة على أسئلة الرأي العام، وشرح التحديات، وتفسير القرارات والسياسات، ثم الانتقال إلى رؤية مستقبلية وأولويات للتحرك في المرحلة المقبلة،  وهذا فارق جوهري؛ لأن قيمة أي كشف حساب حكومي لا تقاس بعدد الصفحات أو الجداول التي يحتويها، وإنما بقدرته على تفسير العلاقة بين ما " أنفقته الدولة " وما تحقق على الأرض، وبين السياسات العامة والتغير الفعلي في حياة المواطنين.

أولا: من كشف الحساب إلى قياس الأثر

من هنا يمكن النظر إلى " منتدى مصر 2026"  باعتباره فرصة لإعادة تعريف مفهوم " الإنجاز الحكومي" ،  فالإنجاز في الإدارة العامة ليس مجرد إنشاء طريق أو مستشفى أو محطة طاقة، ولا يقاس فقط بحجم الاستثمار المنفذ ، على أهمية ذلك ، فالمعيار الأكثر دلالة هو " الأثر " : هل تحسنت جودة الخدمة؟ هل انخفضت تكلفة حصول المواطن عليها؟ هل ارتفعت الإنتاجية؟ هل خلقت الاستثمارات فرص عمل مستدامة؟ هل وصلت الحماية الاجتماعية إلى الفئات الأكثر احتياجاً؟ وهل أسهمت السياسات الاقتصادية في توسيع قاعدة الإنتاج وزيادة القدرة على مواجهة الصدمات؟

هذه الأسئلة هي التي يمكن أن تمنح المنتدى جدواه الحقيقية، لأنها تنقل النقاش من " ماذا فعلنا؟ "  إلى " ماذا كانت نتيجة ما فعلناه؟"  ويضع الموقع الرسمي للمنتدى بالفعل هذا المنهج ضمن أهدافه المعلنة، من خلال الجمع بين المؤشرات والبيانات الرسمية، وتجربة المواطن،   فموارد الدولة ليست بلا حدود، والاحتياجات الاجتماعية والتنموية متزايدة، والاقتصاد يعمل في بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.

لذلك فإن السؤال عن المستقبل لا يمكن أن ينفصل عن سؤال الكفاءة : أين ينبغي أن تذهب الموارد العامة؟ وما المشروعات التي تحقق أعلى عائد اجتماعي واقتصادي؟ وما السياسات التي ينبغي استمرارها، وما تلك التي تحتاج إلى تعديل؟ وكيف يمكن قياس النتائج بصورة دورية ومستقلة؟

يعكس برنامج المنتدى نفسه اتساع هذه الأسئلة ،  فالأيام الأولى تتناول بناء الإنسان، والتنمية وجودة الحياة، والحماية والأمان المجتمعي، ثم الاقتصاد، قبل تخصيص مساحة لشواغل الرأي العام، على أن تختتم الفعاليات في 24 أكتوبر،  وتشمل المحاور موضوعات مثل التعليم والشباب والثقافة والصحة والتحول الرقمي والأمن الغذائي والمائي والطاقة والاستثمار والصناعة والعمل وإدارة الدين والبرنامج الاقتصادي حتى عام 2030.

لكن ينبغي التذكير بأن  اتساع الأجندة، في حد ذاته، ليس ضمانة للنجاح ،  فالمنتديات الكبرى كثيراً ما تواجه المشكلة ذاتها: كثرة القضايا، وقلة القرارات القابلة للتنفيذ ،  ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لـ " منتدى مصر 2026 " لن يكون في عدد جلساته أو حجم المشاركة فيه، وإنما في اليوم التالي لانتهائه.

ثانيا: كيف يتحول المنتدى إلى مؤسسة للمستقبل؟

إذا أرادت الدولة أن تجعل المنتدى أداة مؤسسية لبناء المستقبل، فإن الخطوة الأولى ينبغي أن تكون هي تحويل مخرجاته إلى " وثيقة معلنة " للأولويات الوطنية، لا إلى مجرد توصيات عامة ،  ينبغي أن يعرف المواطن، مثلاً، ما الذي تقرر بشأن التعليم، وما المؤشر الذي سيقيس التقدم فيه، ومن الجهة المسؤولة، وما الإطار الزمني للتنفيذ، ومتى سيعاد تقييم النتائج. والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد والصناعة والصحة والحماية الاجتماعية والطاقة والمياه وغيرها.

والخطوة الثانية هي إنشاء آلية متابعة مستقلة وشفافة،  فكل قرار بلا متابعة يتحول مع الوقت إلى إعلان نوايا،  أما وجود مصفوفة مؤشرات دورية يتم نشرها للرأي العام حول ما تم تنفيذه وما تعثر وأسباب التعثر، فيحول المنتدى من حدث سنوي إلى أداة  مستمرة لصنع السياسات وتقييمها ، عبر الاستفادة من المؤسسات القائمة، والجامعات ومراكز البحوث والهيئات الرقابية، مع تحديد واضح للمسؤوليات ومنهجيات القياس.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في جعل " صوت المواطن"  مصدراً منتظماً للبيانات، وليس مجرد مكوّن احتفالي في جلسات الحوار،  فالبيانات الإحصائية تخبرنا بما يحدث في حدود ، لكنها لا تكشف دائماً لماذا يحدث ،  وتجربة المواطن في المستشفى أو المدرسة أو مصلحة حكومية أو سوق العمل يمكن أن تكشف فجوات لا تظهر في التقارير التقليدية،  ومن ثم فإن استطلاعات الرأي، ومنصات الشكاوى والمقترحات، ينبغي أن تتحول إلى أدوات تحليل للسياسات، لا مجرد قنوات لتلقي الشكاوى.

وهناك بعد آخر بالغ الأهمية، هو أن يكون المنتدى مساحة حقيقية لاختبار البدائل ،  فصنع السياسة العامة لا يعني أن هناك إجابة واحدة جاهزة دائماً؛ ففي التعليم والصحة والدعم والطاقة والاقتصاد، توجد تكاليف ومنافع وآثار جانبية لكل خيار،  لذلك يمكن للمنتدى أن يمثل قيمة مضافة إذا عرض البدائل بوضوح: ما تكلفة كل بديل؟ من المستفيد؟ من يتحمل التكلفة؟ وما النتائج المتوقعة؟ وما المخاطر المحتملة؟

ومن شأن هذا المنهج أن ينقل الحوار العام من ثنائية " مع الحكومة أو ضدها"  إلى مساحة أكثر نضجاً: ما السياسة الأفضل لتحقيق هدف محدد، وما الدليل على نجاحها، وكيف يمكن تعديلها إذا أثبت التطبيق أنها لا تحقق النتائج المطلوبة؟ وهذه ليست مسألة سياسية فحسب، بل هي جوهر الإدارة الرشيدة للموارد العامة.
كما أن المنتدى يستطيع أن يصبح جسراً أكثر استدامة بين الدولة ومؤسسات المعرفة ،  فالجامعات ومراكز البحوث ومؤسسات التفكير لا ينبغي أن تحضر فقط لتقديم مداخلات، وإنما للمشاركة في بناء قواعد البيانات، وتقييم السياسات، وتصميم المؤشرات، ودراسة البدائل ،  وبالمثل، فإن القطاع الخاص والمجتمع المدني والبرلمان والنقابات والاتحادات المهنية يمكن أن يقدم كل منها نوعاً مختلفاً من المعرفة والخبرة والتراكم .

ثالثا: من فعالية سنوية إلى بنية دائمة لصناعة القرار

إذا نجحت التجربة، فقد يكون " منتدى مصر"  قابلاً للتحول إلى " مؤسسة وطنية دورية " للحوار حول المستقبل، لا يرتبط انعقاده فقط بتقييم  فترة حكومية بعينها،  ويمكن أن يكون لكل فترة  موضوع اساسي ، وتقرير وطني، ومؤشرات أداء، ومراجعة لما تحقق من مخرجات  الدورة السابقة ،  عندها يصبح المنتدى جزءاً من بنية صنع القرار، وليس مجرد محطة في أجندة المؤتمرات.

وتكمن القيمة السياسية  العليا في أن مثل هذا المسار يعيد " بناء الثقة "  على أساس قابل للقياس ،  فالثقة المستدامة لا تُبنى على الخطاب وحده، ولا على عرض الإنجازات وحده، وإنما على قدرة المؤسسات على الاعتراف بالفجوات، وشرح أسبابها، وتحديد المسؤوليات، وتصحيح المسار عندما تكشف النتائج عن الحاجة إلى ذلك.

لقد شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة تجارب متعددة للحوار العام والمجتمعي، من بينها الحوار الوطني الذي بدأت جلساته في 2023، وهو ما يوفر خبرة يمكن البناء عليها في تصميم آليات المشاركة والمتابعة ،  لكن التحدي الآن هو الانتقال من " الحوار"  بوصفه فعالية إلى " الحوار"  بوصفه وظيفة مؤسسية مستمرة في داخل الدولة والمجتمع.

وهنا تحديداً تكمن الفرصة التي يطرحها " منتدى مصر 2026،  فمصر لا تحتاج فقط إلى أن تتذكر ما أنجزته خلال السنوات الماضية؛ بل تحتاج إلى أن تستخلص منه الدروس ،  ما الذي نجح؟ ما الذي لم يحقق العائد المتوقع؟ ما الذي تغيرت ظروفه؟ وما الذي ينبغي إعادة ترتيب أولوياته؟ إن الإجابة الصريحة على هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من الإنجاز، وإنما هي الطريقة الوحيدة لتحويل الإنجاز إلى معرفة متراكمة.

في الختام ، قد يكون أفضل تعريف للمنتدى هو أنه محاولة لتحويل " كشف الحساب"  إلى " عقد اجتماعي جديد لبناء المستقبل" : كشف حساب يضع الوقائع والأرقام والنتائج أمام المجتمع، وعقد للمستقبل يحدد الأولويات والمسؤوليات والبرنامج الزمني للإنجاز ومؤشرات القياس.

وإذا استطاع " منتدى مصر 2026"  أن يخرج  ليس بمجموعة توصيات، وإنما بمنهج دائم لصنع السياسات ومراجعتها ومحاسبة الأداء وقياس الأثر، فسوف تكون قيمته أكبر بكثير وعندها فقط يمكن القول إن الحوار لم يكن غاية في ذاته، وإن استعراض ما تحقق لم يكن نهاية المطاف، وإنما كان نقطة انطلاق أكثر أهمية: كيف نبني، بما تعلمناه من الماضي والحاضر ، مصر التي نريدها في المستقبل؟

تم نسخ الرابط