عاجل

 

تُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبارة: «مَن وجد ماءً وترابًا ثم افتقر فأبعده الله». ولا تعني العبارة أن الفقر ذنب أو أن كل فقير مسؤول عن حاله، بل تذم تعطيل أسباب المعاش حين تتوافر القدرة والوسيلة.

فالماء والأرض موردان أساسيان للزراعة والغذاء والعمل. ويربط القرآن بين الإنسان وإعمار الأرض، فيقول تعالى على لسان صالح عليه السلام: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. كما يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]، و﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33].

وأكدت السنة قيمة العمل والكسب، فقال رسول الله ﷺ: «ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده» رواه البخاري، وقال ﷺ: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» رواه أحمد.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في مواجهة بطالة الشباب في مصر. فالعمل لا يبدأ بالضرورة بوظيفة حكومية أو مكتب ثابت؛ إذ يمكن أن يبدأ بحرفة، أو مشروع صغير، أو شراكة، أو خدمة رقمية، ثم يتطور تدريجيًا. ومن المجالات القابلة للنمو: الزراعة الحديثة، وتربية الدواجن والمواشي والنحل، وتصنيع المنتجات الزراعية، والصناعات الغذائية، والصيانة والحرف، والتجارة الإلكترونية وإعادة التدوير.

وفي مصر تتوافر موارد وأفكار يمكن تحويلها إلى مشروعات، من الأراضي القابلة للاستصلاح، إلى المنتجات الزراعية التي يمكن تصنيعها بدل بيعها خامًا، وصولًا إلى مهارات الشباب في المجالات التقنية والخدمية. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج يحتاج إلى تدريب وتمويل وإدارة جيدة، إلى جانب البدء بالمشروع الممكن بدل انتظار المشروع الكبير.

لكن الدعوة إلى العمل لا تبرر اتهام كل شاب عاطل بالكسل. فهناك من لا يجد فرصة، أو لا يملك رأس المال والتدريب، أو تعوقه ظروف اقتصادية واجتماعية. لذلك فإن مواجهة البطالة مسؤولية مشتركة: يسعى الشاب إلى اكتساب المهارة والبحث عن البدائل، ويفتح المجتمع أبواب التدريب والتمويل، وتوفر الدولة بيئة تساعد المشروعات الصغيرة على النمو.

كما أن الفقر ليس عيبًا، وليس كل فقير مسؤولًا عن فقره. فقد يمرض الإنسان أو يعجز أو يفقد مصدر دخله رغم اجتهاده. ولهذا أقامت الشريعة التكافل الاجتماعي، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]. فالمحتاج له حق في الرعاية، والقادر على العمل عليه مسؤولية السعي، والمجتمع مسؤول عن عدم تحول الفقر والبطالة إلى واقع دائم.

المعنى العملي للعبارة أن النعمة والقدرة والموارد مسؤولية. فمن وجد أرضًا أحسن استثمارها، ومن امتلك حرفة طورها، ومن امتلك علمًا حوّله إلى منفعة، ومن كانت لديه فكرة درس إمكانية تنفيذها. فالتنمية لا تقوم على كثرة الموارد وحدها، بل على القدرة على تحويلها إلى إنتاج وفرص عمل.

تم نسخ الرابط