عاجل

إن الإنسانية في هذه الأيام لم تُصَب في عبوديتها لله الواحد القهار، ولم تُصَب في وحدانيتها؛ فجميعنا يلجأ إلى إله واحد في الشدة والرخاء، وفي المنشط والمكره، وفي اليسر والعسر. ولكن المصيبة التي أُصيبت بها الإنسانية هذه الأيام هي الأخلاق.

فرسول الإنسانية، محمد صلى الله عليه وسلم، «كان خُلُقُه القرآن»، بل «كان قرآنًا يمشي على الأرض». والقرآن الكريم بين دفتيه سورة تُسمى سورة الأخلاق، مطلعها:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

وعندما تغيب الحكمة في المصائب، التي من المفترض أن تجمع بين الشتيتين، إذ بها تصبح مصدرًا للتفرقة عن طريق التشفي والفرح والحبور بالمصاب.

كنا نشاهد في أدبيات المجتمعات الإنسانية أنه عندما يحدث ما يعكر الصفو الإنساني، وتحل مصيبة، يجتمع المتخاصمون والشتيتان والمتفرقون حول صاحب المصيبة، محاولين كفكفة الجراح وتخفيف آلام المصيبة، فتهون على صاحبها.

ففي مصيبة الموت، لا يشعر اليتيم ولا ذويه بألم الفراق بالقدر نفسه، لأنه يشعر بأن الجميع من حوله بمثابة أبويه وأهله وذويه. وكذلك في جائحة هلاك المال والحرث والنسل، تشعر بأن الإنسانية كلها تتكافل من أجل التخفيف عن المصاب.

أما المصائب اليوم، فإننا نرى فيها العجب العجاب؛ فمن يتشفى في الميت، وكأن الميت فشل في أن ينجو من الموت، أو كأن الله انتقم منه فأماته، ورضي عن المتشفي فأبقاه حيًّا! فهذا قمة السفه والتخلي عن القيم والأخلاق الإنسانية.

ونسي هؤلاء أن الله تعالى يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، و**﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، و﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾**.

وقد تكون الخصومة سياسية، أو بسبب مظلمة غير متعمدة، أو اختلاف في وجهات النظر حول رؤية معينة، متناسين أن الموت يقطع الخصومة وينهيها تمامًا.

ويُظهر الآخر الشماتة بما يؤذي أهل الميت، وكأنهم فشلوا في إنعاشه وإبقائه على قيد الحياة، أو كأنه هو نفسه فشل في البقاء حيًّا، بينما نجح الآخر في أن يظل على قيد الحياة!

متناسين تفسير قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.

يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسيره لهذه الآية: يرحم كبيرهم صغيرهم، وقويهم ضعيفهم، وغنيهم فقيرهم، وصالحهم طالحهم، وطالحهم صالحهم.

فيقول الصالح للطالح: اللهم اغفر له، وأقله من عثرته، وتُب عليه. ويقول الطالح للصالح: اللهم زِده، اللهم ثبِّته، اللهم بارك له.

هذه الأخلاق هي جوهر رسالة الإسلام، والإنسانية تحتاج إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى.

مع خالص تحياتي.

تم نسخ الرابط