عاجل

هل حب الوطن من الدين؟ أم أن حديث العلماء عن الوطن على المنابر دخولٌ في السياسة؟

سؤال قد يتردد أحيانًا وكأن الدين يريد من الإنسان أن يعيش بلا أرضٍ يحبها ولا بلدٍ ينتمي إليه ولا مجتمعٍ يشعر بمسؤوليته تجاهه!
والحقيقة أن الإسلام لم يأتِ ليقتلع الإنسان من فطرته، وإنما جاء ليهذبها ويرشدها.
يجب أن يعلم الجميع خاصة في تلك الأوقات التي تكثر فيها الفتن والتهديدات والأوضاع الإقليمية الدقيقة .. أن حب الوطن ليس دعاية إلي  حزب سياسي معين، ولا هي دعايةً انتخابية، ولا انحيازا لفريق أو شخص ما .. إنما هو شعور فطري بل إنه قد يتحول إلى قيمة دينية وواجب شرعي عندما يدفع الإنسان إلى حفظ وطنه وصيانة أمنه وإتقان عمله ورعاية مصالح الناس والابتعاد عن الإفساد فيه.
والدليل علي ذلك أن القرآن الكريم والسنة النبوية تحدثا عن الوطن في غير موضع وعن الدعاء له وعن الدعوة لحمايته والحرص عليه .. فهاهو القران ينقل إلينا حديثا واضحًا ليس علي لسان عوام الناس .. إنما على لسان أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين .. فنسمع سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾.
وقوله تعالي: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾.
فسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يدعو لبلده بالأمن أمام الناس دون أن يخشي أن يتهمه أحدهم برياء أن غير ذلك حاشاه .. بل وقد دعا لأهل هذا الوطن بالرزق والاستقرار.
ثم يأتي رسول الله ﷺ ليقدم لنا أوضح صورة للحب الفطري للوطن.
فعندما وقف ﷺ على مشارف مكة قال فيما رواه الترمذي: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت».
وهذا الموقف بالغ الدلالة عن أن حب الوطن والصدح به أمر من السنة  فالنبي ﷺ أحب مكة واشتاق إليها واخبرنا بذلك في الحديث .. ولم يعتبر التعبير عن ذلك أمرا من أمور السياسة التي ينبغي إبعادها عن الخطاب الديني كما يظن بعض الناس!
بل انظر الي رسول الله ﷺ لما قدم إلى المدينة ورأى ما أصاب أصحابه من الحمى والمرض، دعا قائلا: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد»، ودعا لها بالبركة والصحة.
إذن فالنبي ﷺ لم يكتفِ بأن يحب وطنه سرا، بل دعا علانية ربه أن يزرع حب الوطن في قلوب أصحابه.
وهاهم العلماء والدعاة والخطباء يكملون ما سنه رسول الله ﷺ فكان لزاما عليهم أن يعلموا الناس أن حب الوطن ليس مجرد كلمات وأناشيد وصور وإنما أخلاق وأمانة وعمل.
فمن يحب وطنه لا يسرق المال العام ولا يخرب الممتلكات، ولا يغش في عمله ولا ينشر الفتنة ولا يعتدي على حقوق الناس بل يبني ويصلح ويحافظ.
وهنا نفهم معنى أن يصبح حب الوطن واجبا فليس المقصود كما يظن بعض الناس أن هناك نصًا يقول: «حب الوطن فرض» بهذه العبارة!  وإنما المقصود أن ما يتوقف عليه حفظ الوطن وأمن الناس ومصالحهم من الواجبات يصبح واجبًا شرعًا لأن المسلم مأمور بحفظ الحقوق ومنع الضرر والإصلاح وعدم الإفساد في الأرض.
أما قول بعض الناس إن «المنبر لا ينبغي أن يتحدث عن الوطن لأن الحديث عن الوطن يعد من السياسة!!» فهذا ليس دقيقًا على إطلاقه .. نعم مقر ونؤمن بأنه ينبغي علي الدعاة أن يبتعدوا بالمنابر عن الدعاية الحزبية والصراعات الانتخابية والتحيز للأشخاص فهذا قد يكون من السياسة .. أما تعليم الناس حب الوطن وحفظ الأمن وإتقان العمل واحترام القانون وصيانة المال العام  والدعاء للبلاد وأهلها كل ذلك قيم أخلاقية ودينية وليس ممارسةً سياسية.
لقد كان رسول الله ﷺ يعلم الناس حب الأرض ويدعو للبلد بالأمن والبركة ويغرس في النفوس معاني الانتماء والمسؤولية.
فالمنبر الذي يعلم الناس عبادة الله، ينبغي أن يعلمهم أيضًا كيف يكونون عبادًا صالحين في أوطانهم لأن صلاح الإنسان لا يكتمل بأن يكون صالحًا في مسجده فقط وإنما بأن يكون صالحًا في بيته وعمله ومجتمعه ووطنه.

تم نسخ الرابط