من مقر الهيئة العامة للاستعلامات السفير علاء يوسف.. الرجل الذي قرر أن يعطي الشباب سلاح الوعي بدلاً من محاضرة عن الوطنية لو سألتني ما هي أخطر جبهة تخوض عليها مصر حربها اليوم، لن أقول لك الحدود، ولا الاقتصاد، ولا حتى الإرهاب. سأقول لك بلا تردد.. عقل الشاب المصري وهو يقلب شاشة هاتفه وحده في غرفته في الثانية بعد منتصف الليل.
هناك، في هذه المساحة المظلمة والصامتة، تُصنع الهزيمة أو يُصنع النصر. هناك، فيديو مفبرك مدته 20 ثانية قادر على نسف ثقة بناها وطن في عشر سنوات.
من هذا الفهم المرعب لحجم الخطر، يجب أن نقرأ ما يجري الآن داخل الهيئة العامة للاستعلامات بقيادة السفير علاء يوسف. ما حدث في لقائه الأخير مع اتحاد شباب تحيا مصر لم يكن لقاءً بروتوكولياً يوضع في الأرشيف، بل كان إعلان عقيدة جديدة.
عندما تقول الهيئة "سنصل للشباب في محافظاتهم ونستمع لرؤاهم"، أنت لا تقدم خدمة، أنت تغير ميزان القوة. أنت تحول الشاب من متهم بالسلبية إلى شريك في المسؤولية. الشاب الذي يشارك في صناعة المبادرة سيدافع عنها كأنها بيته، أما من تُلقى عليه التعليمات فأول من سيتمرد عليها.
من التلقين إلى الشراكة.. نهاية زمن الوصاية
المدرسة القديمة كانت تقول الدولة تملك الحقيقة والشباب عليه أن يسمع.
هذه المدرسة أخفقت بسبب سرعه أنتشار المعلومه سواء غلط أو صح .
علاء يوسف القادم من مطبخ الرئاسة يعرف القاعدة الجديدة الشباب لا يصدق الرسالة، بل يصدق الراوي.
ولذلك قالها صريحة الشباب شركاء لا متلقون. لا يمكنك أن تطلب من جيل يصنع محتوى التيك توك ويبرمج الذكاء الاصطناعي أن يجلس كمستمع. امنحه الميكروفون.
عندما تقول الاستعلامات سننزل للمحافظات ونسمع رؤى الشباب، أنت تحول طاقة النقد إلى طاقة بناء. الشاب الذي يشارك في صناعة الفكرة سيدافع عنها كأنها بيته.
المعركة الحقيقية هي السيادة الرقمية
الجميع يتحدث عن الوعي، لكن يوسف يتحدث عن "الوعي الرقمي" وهذا هو بيت القصيد.
الوعي العادي يعلمك ماذا تفكر. الوعي الرقمي يعلمك كيف تكشف من يريد أن يفكر بدلا منك.
العدو اليوم لا يقول لك بلدك سيئة، بل يصنع لك بلداً سيئة كاملة على شاشتك، بأرقام مزورة وفيديوهات مفبركة. وهنا يصبح تدريب الشباب على أدوات التحقق وكشف التزييف العميق Deepfake ليس دورة تدريبية، بل هو بناء لجيش من حائط الصد.
أنت لا تعطي الشاب معلومة، أنت تعطيه سلاحاً يكشف به الكذب بنفسه ويحارب فالجبهه ضد نشر الشائعه وينشر الوعي .
الهوية لا تأتي بالشعارات
الدولة التي تراهن على عقل شبابها وتسلحه بدلاً من أن توجهه، هي دولة قررت أن تربح المستقبل، لا أن تدير الحاضر فقط.
وهذا هو الرهان الوحيد الذي لا يخسر أبداً.
لا أحد يحب بلده لأنه سمع خطبة حماسية. الناس تحب بلدها عندما تفهمها.
عندما يفهم الشاب لماذا بنينا عاصمة جديدة، وما هي معركة المياه، وما ثمن القرار الاقتصادي الصعب، يتحول انتماؤه من عاطفة موسمية تظهر في ماتش كورة، إلى عقيدة راسخة لا تهزها شائعة.
الاستعلامات لا تبيع الوهم، بل تفتح الملفات الصعبة أمام الشباب وتتركهم يناقشون. الفهم هو أقوى أنواع التحصين.
السفير علاء يوسف لا يتحدث من حدود المنصب، بل من ثقل العلم واتزان الحكمة ورصيد الخبرة المتراكمة في مطبخ صناعة القرار، وثقته بشباب وطنه ليست مجاملة، بل هي ثقة من يثق بنفسه أولاً، ومن يعرف أن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على صناعة أجيال جديدة تحمل الراية، لا بإقصائهم.
تحالف ذكي خبرة الدولة وحيوية الميدان
ذكاء الخطوة أيضاً في اختيار الشريك. هيئة الاستعلامات تملك العقل والمنهج والأرشيف. واتحاد شباب تحيا مصر رغم حداثة إشهاره في وزارة الشباب والرياضة، يملك ما لا تملكه أحزاب كبيرة انتشار حقيقي على الأرض ولغة قريبة من الشباب.
هي معادلة مكتملة واحدة تملك "ماذا نقول" والثانية تملك "كيف نصل". والنتيجة أن الوعي يخرج من قاعات القاهرة ليصل إلى مركز شباب كل المحافظات.
الفرق بين من يدير الإعلام ومن يهندس الوعي كبير.
مدير الإعلام يفكر كيف يرد على شائعة اليوم. مهندس الوعي يفكر كيف يصنع جيلاً لا تصدق فيه الشائعة أصلاً.
ولعل الدرس الأهم الذي يبقى من هذا المشهد، ويتجاوز حدود اللقاء نفسه، هو أننا أمام نموذج للمسؤول المخلص المحب لوطنه الذي نحتاجه ..
نحن لا نحتاج مسؤولين يديرون المكاتب، بل نحتاج عقليات وطنية سوية، تملك من الفكر والخبرة ما يجعلها لا تتعامل بعنصرية ولا تُقصي الكوادر، عقليات تؤمن بأن تمكين الشباب ليس منة، وأن تقديمهم ليس تهديداً، بل تفتح لهم المساحات، وتمنحهم الفرص، وتستمع لأفكارهم ومقترحاتهم، لأنها تدرك أن خدمة الوطن لا تأتي من عقل واحد، بل من عقول أبنائه جميعاً في شتى المجالات وهذا ما يفعله السفير علاء يوسف الآن. هو لا يعطي الشباب محاضرة عن الوطنية، هو يعطيهم أدوات تحمي وطنيتهم بنفسهم.