من السويس إلى أوكرانيا.. كيف استخدمت روسيا السلاح النووي لإرباك الغرب؟
حذرت روسيا حلف شمال الأطلسي «الناتو» من أنها ستكون مستعدة لاستخدام «كامل ترسانتها»، بما في ذلك الأسلحة النووية، إذا حاولت دول الحلف عزل جيب كالينينغراد عن بقية الأراضي الروسية، في تحذير يعيد ملف التهديدات النووية بين موسكو والغرب إلى الواجهة.
ولا تمثل التهديدات النووية الروسية تجاه الدول الغربية ظاهرة مرتبطة فقط بالحرب في أوكرانيا، إذ تمتد جذورها إلى عقود الحرب الباردة، عندما تحولت الأسلحة النووية إلى إحدى أبرز أدوات الضغط السياسي والعسكري في المواجهة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة وحلفائهما.
ويأتي التحذير الروسي الأخير في وقت يشهد فيه نظام الحد من الأسلحة النووية بين موسكو وواشنطن مرحلة غير مسبوقة، بعد انتهاء معاهدة «نيو ستارت» من دون وجود اتفاق ملزم يحل محلها، للمرة الأولى منذ أكثر من نصف قرن لا توجد فيه معاهدة تحدد سقف الترسانتين النوويتين الاستراتيجيتين للبلدين.
أزمات الحرب الباردة.. الصواريخ ورقة ضغط
بدأ إدخال السلاح النووي في الخطاب السياسي السوفياتي بعد امتلاك موسكو القنبلة النووية عام 1949، لتصبح الترسانة الجديدة جزءًا من أدوات الردع والضغط في الأزمات الدولية.
وخلال أزمة السويس عام 1956، وجه رئيس الوزراء السوفياتي نيكولاي بولغانين رسائل إلى بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، لوح فيها بإمكانية استخدام الصواريخ النووية ضدها، في واحدة من أبرز المحطات التي ظهر فيها التهديد النووي السوفياتي بصورة مباشرة خلال أزمة دولية.
لكن المواجهة بلغت ذروتها في أكتوبر 1962 مع أزمة الصواريخ الكوبية، عندما نشر الاتحاد السوفياتي صواريخ نووية في كوبا بالقرب من السواحل الأمريكية.
وعلى مدى 13 يومًا، بدا العالم على حافة مواجهة نووية بين القوتين العظميين، قبل أن تنتهي الأزمة باتفاق يقضي بسحب الصواريخ السوفياتية من كوبا مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو الجزيرة.
وكشفت روايات ظهرت لاحقًا أن التسوية تضمنت أيضًا سحبًا سريًا لصواريخ أمريكية من تركيا، في إطار الترتيبات التي أنهت الأزمة.
وتجددت المخاوف من اندلاع حرب نووية عام 1983، عندما اعتبرت موسكو أن مناورات «إيبل آرتشر» التي أجراها حلف الناتو ربما تكون غطاءً لهجوم مفاجئ ضد الاتحاد السوفياتي.
وفي العام نفسه، كاد إنذار كاذب في منظومة الإنذار المبكر السوفياتية أن يتحول إلى كارثة، بعدما رصدت المنظومة بشكل خاطئ إطلاق صواريخ أمريكية، قبل أن يتضح أن الإنذار كان غير صحيح.
ما بعد الاتحاد السوفياتي.. عقيدة نووية تتغير
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، شهدت العقيدة العسكرية الروسية تحولًا مهمًا في التعامل مع السلاح النووي، ففي العقيدة العسكرية لعام 1993، تخلت روسيا عن تعهد «عدم المبادرة باستخدام السلاح النووي» الذي كانت موسكو قد أعلنته خلال الحقبة السوفياتية.
ثم جاءت العقيدة العسكرية لعام 2000 لتسمح باللجوء إلى الأسلحة النووية ردًا على هجوم نووي، أو في مواجهة عدوان تقليدي واسع النطاق يهدد وجود الدولة الروسية.
وبعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاحقًا إنه كان مستعدًا لوضع القوات النووية في حالة تأهب خلال تلك الأزمة.
وفي مارس 2018، كشف بوتين عن مجموعة من المنظومات والأسلحة الجديدة، من بينها صاروخ «سارمات» والمركبة الانزلاقية «أفانغارد»، في خطوة اعتُبرت رسالة موجهة إلى الغرب بشأن القدرات العسكرية الروسية.
حرب أوكرانيا.. عودة التهديد النووي
مع بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، عاد السلاح النووي بقوة إلى الخطاب السياسي الروسي.
وحذر بوتين من أن أي تدخل خارجي في الحرب سيقود إلى «عواقب لم تروها من قبل»، وبعد أيام أمر بوضع قوات الردع النووي الروسية في حالة تأهب خاصة.
وفي سبتمبر من العام نفسه، وبالتزامن مع إعلان التعبئة الجزئية، قال بوتين إن موسكو ستستخدم «كل الوسائل المتاحة» لحماية أراضيها، مؤكدًا أن هذا التهديد «ليس خدعة».
وفي فبراير 2023، علّقت روسيا مشاركتها في معاهدة «نيو ستارت»، التي كانت تشكل الإطار الرئيسي للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين موسكو وواشنطن.
وبعد أسابيع، أعلن بوتين نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروس، كما أجرت موسكو في عام 2024 مناورات خاصة بهذه الأسلحة.
وفي نوفمبر 2024، أقرّت روسيا نسخة معدلة من عقيدتها النووية، خفّضت فيها عتبة اللجوء إلى السلاح النووي.
وبموجب التعديلات، أصبحت روسيا تعتبر أي هجوم تقليدي تشنه دولة غير نووية بدعم من دولة نووية بمثابة «هجوم مشترك»، في توسع لنطاق الظروف التي يمكن أن تدخل ضمن حسابات العقيدة النووية الروسية.
وبعد أيام من إقرار العقيدة المعدلة، استخدمت موسكو صاروخ «أوريشنيك» الجديد في ضربة استهدفت مدينة دنيبرو الأوكرانية.
نهاية «نيو ستارت».. ترسانتان استراتيجيتان بلا قيود ملزمة
في سبتمبر 2025، عرض بوتين أن تواصل روسيا الالتزام بالحدود الرئيسية التي فرضتها معاهدة «نيو ستارت» لمدة عام إضافي بعد انتهاء العمل بها، ولكن بشرط أن تلتزم الولايات المتحدة بالمثل.
لكن المعاهدة انتهت في 5 فبراير 2026، بعدما رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العرض الروسي، مفضلًا التوصل إلى اتفاق وصفه بأنه «جديد ومحدّث».
وبانتهاء «نيو ستارت»، لم يعد هناك سقف ملزم يحدد حجم الترسانتين الاستراتيجيتين الروسية والأمريكية، كما توقفت آليات التفتيش وتبادل البيانات التي كانت جزءًا من نظام الرقابة المتبادل بين البلدين.
وتقول موسكو إنها ستلتزم بالحدود التي كانت تفرضها المعاهدة إذا فعلت واشنطن الشيء نفسه، بينما ترفض الصين الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية بشأن الحد من الأسلحة النووية.
جدية أم مناورة سياسية؟
ويرى محللون أن الخطاب النووي الروسي يستهدف في الغالب ردع الدعم الغربي لأوكرانيا، فضلًا عن محاولة إثارة الانقسامات داخل حلف الناتو، بينما يشيرون إلى أن الدول الغربية لم تتراجع حتى الآن أمام هذه التهديدات.
في المقابل، تحذر منظمات معنية بنزع السلاح من ارتفاع مخاطر استخدام الأسلحة النووية منذ عام 2022، حتى مع بقاء غالبية التهديدات النووية الروسية في إطار التصريحات السياسية.
وتظل روسيا صاحبة أكبر ترسانة نووية في العالم، إذ تشير تقديرات متداولة إلى امتلاكها نحو 4 آلاف رأس نووي، في وقت يبقى فيه مستقبل منظومة الحد من التسلح النووي معلقًا بين واشنطن وموسكو وبكين، وسط غياب معاهدة ملزمة جديدة بين القوتين النوويتين الأكبر.



