عاجل

التوك توك في مرمى الرقابة.. بين ضرورة التقنين ومخاطر الاستغلال الإجرامي| تقرير

التوك توك - أرشيفية
التوك توك - أرشيفية

التوك توك.. مركبة ظهرت لتلبية احتياجات النقل بالمناطق الشعبية والريفية، قبل أن تتحول مع الانتشار العشوائي إلى أحد الملفات الأمنية والمرورية والاجتماعية التي تفرض نفسها على أجهزة الدولة، في ظل مطالب متكررة بإدخالها بشكل كامل إلى المنظومة الرسمية.

ويرى اللواء مدحت قريطم، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن ترخيص مركبات التوك توك وسائقيها أصبح ضرورة أمنية ومرورية، باعتبار أن وجود بيانات واضحة عن المركبة وقائدها يتيح للأجهزة المختصة سرعة التتبع والمحاسبة حال ارتكاب أي مخالفة أو جريمة.

قاعدة بيانات للسائقين والمركبات

وأوضح قريطم، خلال تصريحات إعلامية، أن تقنين التوك توك يبدأ من الترخيص، بما يضمن وجود بيانات للمركبة وسائقها، ويساعد على إحكام الرقابة على حركة هذه المركبات.

حملات على التوكتوك 
حملات على التوكتوك 

وأشار إلى أن تسجيل المركبات وقائديها من شأنه دعم قدرة الأجهزة الأمنية على الوصول إلى مرتكبي المخالفات والجرائم، خاصة مع انتشار كاميرات المراقبة في عدد كبير من الشوارع والطرق.

وبحسب تصريحات قريطم، فإن إدخال التوك توك إلى المنظومة الرسمية لا يقتصر على إصدار الترخيص، وإنما يشمل كذلك تنظيم أماكن ومسارات سيره، ومنع دخوله إلى المناطق التي يحظر القانون سيره فيها.

أين يُسمح للتوك توك بالسير؟

وأشار مساعد وزير الداخلية الأسبق إلى أن القانون يمنح المحافظ المختص صلاحية تحديد أعداد مركبات التوك توك داخل نطاق المحافظة، كما يضع ضوابط لأماكن سيرها.

وأضاف أن القانون يمنع سير التوك توك في عواصم المحافظات والمدن الكبرى، ويقصر استخدامه على القرى والنجوع وفق الضوابط المنظمة، إلا أن الواقع يشهد انتشار هذه المركبات في مناطق حضرية بالمخالفة للقواعد المنظمة.

ومن ثم، فإن أحد محاور المواجهة لا يتعلق بالترخيص فقط، وإنما بفرض الالتزام بخطوط السير والمناطق المسموح بالتواجد فيها، بما يحقق الفصل بين وسيلة النقل المناسبة للمناطق الريفية والشعبية وبين المناطق التي تتطلب وسائل نقل مختلفة.

أكثر من 3 ملايين مركبة.. رقم يحتاج إلى توثيق رسمي

وذكر قريطم أن عدد مركبات التوك توك في مصر يتجاوز، وفق بعض التقديرات التي أشار إليها، 3 ملايين مركبة، وأن نسبة المرخص منها لا تتجاوز 10%.

التوكتوك 
التوكتوك 

ويعكس هذا الرقم، حال دقة التقديرات، حجم التحدي أمام الجهات المعنية، خاصة أن التعامل مع ملايين المركبات خارج قاعدة بيانات موحدة يجعل عملية الحصر والمتابعة والرقابة أكثر تعقيدًا.

ويظل العدد الفعلي للمركبات ونسبة المرخص منها بحاجة إلى بيانات رسمية محدثة من الجهات المختصة، حتى يمكن بناء سياسات دقيقة للتعامل مع الظاهرة.

من وسيلة نقل إلى ملف أمني

ولا ترتبط أزمة التوك توك بالمرور وحده، إذ سبق أن تناول المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الظاهرة باعتبارها قضية متعددة الأبعاد، تشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والجنائية.

وخلص بحث للمركز حمل عنوان «التوك توك.. الأسباب والمشكلات والحلول» إلى أن انتشار التوك توك ارتبط، من بين عوامل أخرى، بمشكلات النقل والتخطيط العمراني، إلى جانب ارتباط العمل به بالقطاع غير الرسمي.

وحذر البحث من إساءة استخدام التوك توك في بعض الجرائم والمخالفات، مشيرًا إلى أن المركبة استُخدمت في وقائع خطيرة، من بينها السرقة والخطف والقتل والتحرش، فضلًا عن المخالفات المرورية.

وهنا لا يعني استخدام التوك توك في بعض الجرائم أن المركبة في حد ذاتها مصدر للجريمة، وإنما تكمن المشكلة الأمنية في صعوبة تحديد هوية مستخدم مركبة غير مرخصة أو تتبعها عند استخدامها في ارتكاب مخالفة أو جريمة.

عمالة الأطفال.. الخطر الأكثر وضوحًا

من أبرز الملفات التي ارتبطت بانتشار التوك توك قيادة أطفال دون السن القانونية، وهو ما يمثل مشكلة مزدوجة تتعلق بالسلامة المرورية وحماية الطفل.

وأشار بحث المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية إلى ارتباط انتشار التوك توك بزيادة عمالة الأطفال في هذا المجال، وما يترتب على ذلك من مخالفات مرورية، بينها السير عكس الاتجاه، وتجاوز السرعات، والسير في الطرق غير المسموح بها.

ضبط توكتوك 
ضبط توكتوك 

وتزداد الخطورة عندما يقود المركبة شخص غير مؤهل أو غير حاصل على الترخيص اللازم، إذ تتحول وسيلة النقل من أداة لخدمة المواطنين إلى مصدر محتمل للحوادث والفوضى المرورية.

الترخيص وحده لا يكفي

ويرى قريطم أن تقنين أوضاع التوك توك يجب أن يتبعه تنظيم فعلي لاستخدامه، بداية من تحديد سن السائق، مرورًا بتحديد خطوط السير، وصولًا إلى منع المركبات من دخول المناطق الحيوية والمدن الجديدة أو الطرق التي يحظر القانون سيرها بها.

وبذلك تصبح عملية التقنين منظومة متكاملة تشمل المركبة والسائق وخط السير ومكان التشغيل وآليات الرقابة والعقوبات، وليس مجرد استخراج لوحة أو رخصة.

خطة استبدال التوك توك

وفي سياق مواجهة الظاهرة، أشار قريطم إلى أن الحكومة أطلقت عام 2019 برنامجًا لاستبدال التوك توك بسيارات صغيرة تعمل بالغاز الطبيعي وتتسع لسبعة ركاب، بهدف توفير وسيلة نقل أكثر تنظيمًا وأمانًا.

غير أن قريطم أشار إلى عدم وضوح ما آلت إليه الخطة أو مدى تنفيذها بالشكل المستهدف، وهو ما يفتح الباب أمام الحاجة إلى تقييم رسمي لنتائج البرنامج، وعدد المركبات التي جرى استبدالها، والمعوقات التي حالت دون التوسع فيه.

التحدي أمام الأجهزة الأمنية

أمنيًا، تمثل المركبات غير المرخصة تحديًا في عمليات التتبع، خاصة عندما تُستخدم في ارتكاب جرائم أو نقل أشخاص أو أشياء مرتبطة بواقعة جنائية.

أما إدخال المركبة إلى المنظومة الرسمية، فيوفر للجهات المختصة بيانات أساسية يمكن استخدامها في عمليات الفحص والتحري، ويجعل المركبة قابلة للتتبع والمساءلة بصورة أكثر فاعلية.

وفي المقابل، فإن نجاح المنظومة يرتبط بمدى الالتزام الفعلي بالترخيص وعدم السماح بتداول المركبات غير المقننة، إلى جانب استمرار الحملات الرقابية على المخالفين.

البعد الاجتماعي والاقتصادي

وفي الجانب الآخر من المشهد، يمثل التوك توك مصدر دخل لعدد كبير من الأسر، كما يوفر وسيلة انتقال منخفضة التكلفة نسبيًا في المناطق التي تعاني نقص وسائل النقل الجماعي.

ولهذا فإن التعامل الأمني مع الظاهرة لا ينفصل عن البعد الاجتماعي والاقتصادي، إذ إن أي خطة للتقنين أو الاستبدال تحتاج إلى بدائل عملية تضمن استمرار خدمة النقل وعدم الإضرار بمصادر رزق العاملين بصورة مفاجئة.

البيئة والمشهد الحضاري

وتناول بحث المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية كذلك التأثيرات البيئية لانتشار المركبات الآلية، خاصة في المناطق التي تعاني بالفعل من مشكلات بيئية.

كما أشار إلى أن الانتشار العشوائي للتوك توك يساهم في تشويه المشهد الحضاري للمدن، إلى جانب ما يرتبط به من مخالفات مرورية ومشكلات في تنظيم الحركة.

الحل.. منظومة رقابية متكاملة

ويبدو ملف التوك توك أمام الدولة كمنظومة تحتاج إلى أكثر من إجراء منفرد؛ فالتحدي يبدأ من حصر المركبات، ثم ترخيصها، وتسجيل بيانات السائقين، وضبط السن القانونية للقيادة، وتحديد خطوط السير، ومنع السير في المناطق المحظورة، مع استمرار الحملات الأمنية والمرورية.

كما يبرز احتياج موازٍ إلى توفير بدائل نقل مناسبة في المناطق التي يُمنع فيها التوك توك، حتى لا يؤدي القرار إلى خلق أزمة نقل جديدة.

وبينما يمثل التوك توك وسيلة أساسية لملايين المواطنين في بعض المناطق، فإن إدخاله إلى منظومة رسمية واضحة يظل مرتبطًا بثلاثة أهداف رئيسية: معرفة المركبة وقائدها، تنظيم حركتها، ومنع استغلالها في مخالفة القانون.

تم نسخ الرابط