عاجل

أرقام قياسية| كيف قفزت تمويلات المركزي للمشروعات متناهية الصغر بنسبة 1570%؟

أرشيفية
أرشيفية

شهدت خريطة تمويل المشروعات متناهية الصغر في مصر تحولًا كبيرًا خلال السنوات العشر الماضية، مع ارتفاع محفظة التمويل متناهي الصغر، بشقيها المصرفي وغير المصرفي، بأكثر من 1570% منذ عام 2016 وحتى يونيو 2026، لتتجاوز قيمة التمويلات 107 مليارات جنيه، يستفيد منها أكثر من 3.9 مليون عميل.

الأرقام التي كشف عنها طارق الخولي، نائب محافظ البنك المركزي المصري، خلال المؤتمر الدولي «CERISE+SPTF Global Meeting 2026»، تعكس اتساع قاعدة التمويل الموجه إلى المشروعات متناهية الصغر، بالتوازي مع زيادة عدد الجهات العاملة في هذا النشاط وتطور أدوات الوصول إلى العملاء.

البداية.. تغيير قواعد تمويل المشروعات الصغيرة

لم تأتِ هذه القفزة بمعزل عن تدخلات تنظيمية استهدفت زيادة تدفقات التمويل إلى المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

وأوضح الخولي أن البنك المركزي بدأ في عام 2016 إلزام البنوك بتوجيه 20% من محافظها الائتمانية إلى تمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، قبل رفع النسبة المستهدفة في عام 2021 إلى 25%، مع تخصيص 10% للمشروعات الصغيرة.

ومنحت هذه القواعد البنوك فترة لتوفيق أوضاعها والوصول إلى النسب المستهدفة، قبل تطبيق الجزاءات المقررة على المؤسسات غير الملتزمة، بما استهدف توسيع قاعدة الشركات القادرة على الوصول إلى التمويل المصرفي.

أكثر من 107 مليارات جنيه.. التمويل المصرفي ليس وحده

وتكشف تفاصيل المحفظة الحالية عن تنوع مصادر التمويل الموجه إلى المشروعات متناهية الصغر.

وبحسب الخولي، بلغ التمويل المصرفي المباشر للمشروعات متناهية الصغر نحو 33 مليار جنيه، بينما وصل التمويل غير المباشر إلى نحو 66.5 مليار جنيه، من خلال تمويل البنوك للجهات والجمعيات والشركات التي تتولى بدورها إقراض أصحاب المشروعات متناهية الصغر.

وبذلك تجاوز إجمالي التمويل المصرفي وغير المصرفي للمشروعات متناهية الصغر 107 مليارات جنيه، مع وصول عدد العملاء المستفيدين إلى أكثر من 3.9 مليون عميل.

وتوضح هذه الأرقام أن توسع القطاع لم يعتمد فقط على الإقراض المباشر من البنوك، وإنما شمل شبكة من الجمعيات والشركات والجهات المتخصصة التي تعمل كحلقة وصل للوصول إلى شرائح يصعب على القطاع المصرفي التقليدي خدمتها بالآليات المعتادة.

لماذا كانت المشروعات متناهية الصغر تحتاج نموذجًا مختلفًا؟

أحد التحديات الرئيسية أمام تمويل هذه المشروعات كان غياب القوائم المالية المنتظمة لدى نسبة من أصحاب الأنشطة، خصوصًا في المراحل الأولى من عمر المشروع.

وأشار الخولي إلى أن البنك المركزي طور آليات تسمح بتمويل مشروعات لا تمتلك في بداية نشاطها ميزانيات أو قوائم مالية معتمدة، من خلال الاعتماد على تقييم سلوك المشروع ونشاطه وقدرته على السداد.

وبمرور الوقت، يستهدف هذا النموذج مساعدة أصحاب المشروعات على بناء سجل مالي وائتماني، وتأهيلهم لإعداد مراكز مالية وحسابات منتظمة، بما يفتح أمامهم نطاقًا أوسع من الخدمات المصرفية والتمويلية.

وهنا لا يتوقف أثر التمويل عند توفير السيولة للمشروع، وإنما يمتد إلى إدخاله تدريجيًا في المنظومة المالية الرسمية.

3.858 مليون منشأة.. قاعدة اقتصادية ضخمة

وتأتي زيادة التمويل في سوق يمثل جزءًا واسعًا من هيكل الاقتصاد المصري.

ووفقًا لما عرضه نائب محافظ البنك المركزي، يبلغ عدد المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر في مصر نحو 3.858 مليون منشأة، تمثل 99.3% من إجمالي المنشآت.

وتستحوذ المشروعات متناهية الصغر وحدها على نحو 80% من إجمالي المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، مقابل 19% للمشروعات الصغيرة و0.7% للمشروعات المتوسطة، وفق نتائج التعداد الاقتصادي لعام 2022/2023 الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

كما توفر هذه المشروعات نحو 12.5 مليون فرصة عمل، بما يعادل نحو 82% من إجمالي العمالة، وهو ما يفسر جانبًا من أهمية توسيع قدرتها على الحصول على التمويل.

التمويل والبطالة.. علاقة تتجاوز الأرقام

يتزامن هذا التوسع في تمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر مع تراجع معدل البطالة في مصر من نحو 9% إلى 6%، بحسب تصريحات الخولي.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن انخفاض البطالة نتج عن نمو التمويل متناهي الصغر وحده، لكن الأرقام تعكس الوزن الكبير لهذه المشروعات في سوق العمل، وقدرتها على استيعاب أعداد واسعة من العاملين.

وبالنسبة للسياسة المالية والمصرفية، فإن دعم هذه المشروعات لا يرتبط فقط بزيادة حجم الائتمان، وإنما بقدرتها على الاستمرار والتوسع وتحويل النشاط الاقتصادي غير الرسمي تدريجيًا إلى نشاط أكثر انتظامًا.

السيدات في قلب سوق التمويل متناهي الصغر

يمثل تمكين المرأة أحد أبرز أوجه التوسع في سوق التمويل متناهي الصغر.

وقال الخولي إن المشروعات المملوكة أو المدارة بواسطة السيدات تمثل نحو 24% من إجمالي المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر الحاصلة على تمويل من القطاع المصرفي.

وفي قطاع التمويل متناهي الصغر غير المصرفي، تمثل السيدات نحو 53% من العملاء المستفيدين من جهات التمويل.

وأشار الخولي كذلك إلى انخفاض معدلات التعثر بين المشروعات التي تديرها السيدات إلى مستويات شديدة الانخفاض، تقترب في بعض الحالات من الصفر، وفق المؤشرات التي اطلع عليها.

«رواد النيل».. التمويل بجانب الخدمات غير المالية

لم يقتصر التوسع على ضخ الأموال، إذ أشار الخولي إلى الدور الذي لعبته مبادرة رواد النيل في تقديم الخدمات المالية وغير المالية لأصحاب المشروعات.

وتضم المبادرة 140 مركزًا لتطوير الأعمال تغطي 25 محافظة، وقدمت هذه المراكز نحو 1.3 مليون خدمة غير مالية واستشارية لنحو 589 ألف مستفيد، تمثل السيدات 41% منهم.

كما ساهمت المراكز في توفير تمويلات بقيمة تقارب 24 مليار جنيه.

وتعكس هذه الأرقام توجهًا نحو التعامل مع احتياجات المشروعات الصغيرة من زاوية أوسع من مجرد توفير القرض، عبر تقديم خدمات استشارية وتطوير الأعمال والمساعدة في الوصول إلى التمويل.

من 20% إلى 25%.. عشر سنوات غيرت خريطة التمويل

يمكن قراءة القفزة البالغة أكثر من 1570% في التمويل متناهي الصغر باعتبارها نتيجة لتراكم مجموعة من الإجراءات التنظيمية والتمويلية على مدار عقد كامل، وليس نتيجة قرار واحد.

فمن إلزام البنوك بتوجيه 20% من محافظها الائتمانية إلى المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في 2016، إلى رفع النسبة إلى 25% في 2021، ثم تطوير أدوات تقييم العملاء الذين لا يمتلكون قوائم مالية تقليدية، توسعت قنوات الوصول إلى التمويل تدريجيًا.

وفي الوقت نفسه، اتسعت شبكة الجهات العاملة في التمويل متناهي الصغر، ليصبح القطاع اليوم أمام محفظة تتجاوز 107 مليارات جنيه وأكثر من 3.9 مليون عميل.

وتشير هذه الأرقام إلى أن التحدي في المرحلة المقبلة لم يعد فقط زيادة حجم التمويل، وإنما ضمان قدرة المشروعات على استخدامه للنمو والاستمرار، مع الحفاظ على حماية العملاء وجودة الخدمات والقدرة على السداد.

وفي هذا السياق، أكد الخولي أن الشمول المالي والاستقرار المالي هدفان متكاملان، وأن التوسع في إتاحة التمويل يجب أن يتزامن مع حماية حقوق العملاء ورفع جودة الخدمات وتعزيز قدرة المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر على النمو والاستدامة والوصول إلى مصادر التمويل الرسمية.

تم نسخ الرابط