عاجل

قال سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم):
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء".

تأمل صديقي العزيز عبارة: "على كل شيء"...
إذا سألت إنسانا: ما معنى "كل شيء" بالنسبة لك؟
فستجده يقول: كل شيء بالنسبة لي هو كل ما له صلة بي، وكل ما بيني وبينه علاقة، وكل ما له بي ارتباط أو تداخل أو عمل، وكل ما يدخل في دائرة مسؤوليتي.

وهنا تكمن عظمة التعبير النبوي...
فالتعبير بـ "كل شيء" لا يتعلق بجانب واحد من جوانب الحياة دون غيره، ولا بنمط دون آخر، ولا بسلوك دون سلوك، وإنما يفتح دائرة الإحسان لتشمل حياة الإنسان كلها.
فالإنسان لا يعيش في جانب واحد من جوانب الحياة، وإنما تتعدد علاقاته، وتتسع مسؤولياته، وتتداخل أدواره، ويتحرك كل يوم بين العبادة، والعمل، والأسرة، والمجتمع، والفكر، والأخلاق، والمعاملات.

ومن ثم فإن كل ما له صلة بالإنسان يدخل في دائرة الإحسان:
في العبادات... وفي المعاملات... وفي الأفكار... وفي الأخلاق... وفي الأقوال... وفي التصرفات... وفي الأعمال... وفي المسؤوليات، وهكذا ....

فالإحسان إذن ليس في الصلاة وحدها، ولا في الصيام وحده، ولا في الصدقة وحدها، وإنما في كل شيء تمتد إليه يدك، أو ينطق به لسانك، أو تمر به فكرتك، أو تسند إليك مسؤوليته.

أن تحسن حين تعمل.
وأن تحسن حين تتكلم.
وأن تحسن حين تُعلّم.
وأن تحسن حين تُربي.
وأن تحسن حين تُدير.
وأن تحسن حين تتحمل المسؤولية.
وأن تحسن حين تختلف.
وأن تحسن حتى حين تملك القدرة على أن تفعل غير ذلك.

ومن أجمل ما نتعلمه من هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) أن الإحسان لا يتجزأ؛ لأنه ليس عملًا عابرًا نقوم به في بعض المواقف، وإنما هو روح ينبغي أن تسري في تفاصيل الحياة كلها.

ومن هنا نصل إلى معنى بالغ الأهمية من هذا التوجيه النبوي الكريم، وهو :الإتقان صورة من صور الإحسان.
فحين تتقن ما أسند إليك، فأنت لا تبحث عن مجرد إنهاء المهمة، وإنما تبحث عن أن تؤديها على الوجه الذي يليق بها.
وهنا يتحول الإتقان من مجرد مهارة في الأداء إلى قيمة في الإنسان.
وإذا كانت كل قيمة نبوية دعا إليها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تحمل في ذاتها مشروعًا حضاريًّا، فإن الحضارة في جانب من جوانبها ليست إلا:
علما متقنا، وعملا متقنا، وإدارة متقنة، وصناعة متقنة، وتعليما متقنا، وخدمة متقنة، وتربية متقنة، وأخلاقا حاضرة في الواقع بإتقان.

ولهذا فإن الإتقان ليس شأنا مهنيا فقط، بل هو قيمة حضارية.
وحين يتقن الطبيب عمله، فهو لا يمارس مهنة فحسب، بل يحفظ حياة.
وحين يتقن المعلم عمله، فهو لا يشرح درسا فحسب، بل يبني عقلا.
وحين يتقن الموظف عمله، فهو لا ينجز ورقة فحسب، بل يحفظ وقت إنسان وحقه وكرامته.
وحين يتقن الإمام أو الداعية رسالته، فهو لا يلقي كلمات فحسب، بل يفتح للناس أبواب الفهم والهداية.
وحين يتقن الأب تربية أبنائه، فهو لا يقضي وقتا معهم فحسب، بل يشارك في صناعة مستقبل أمة.

فيا صديقي العزيز:
لا تحتقر عملك مهما صغر...
فرب عمل صغير أتقنه صاحبه، فكان أثره كبيرا.
ورب عمل عظيم أفسده صاحبه حين غابت عنه روح الإحسان.

والمؤمن حين يتقن عمله لا يفعل ذلك لأنه يريد أن يراه الناس، وإنما لأنه يستحي أن يقدم عملا يستطيع أن يكون أفضل، ثم يرضى بالدون.
وهنا يصبح الإتقان عبادة خفية...
فقد لا يعرف أحد كم مرة راجعتَ عملك.
ولا كم مرة صحّحتَ خطأك.
ولا كم مرة أعدتَ صياغة كلمة حتى لا تجرح قلبا.
ولا كم مرة بذلتَ جهدا إضافيا حتى يخرج العمل في أجمل صورة.
ولا كم مرة قاومت رغبة النفس في أن تقول: "يكفي هذا".
لكن الله يعلم.

وهذه هي روعة الإتقان...
أن تحسن وإن لم يرك أحد.
وأن تتقن وإن لم يمدحك أحد.
وأن تبذل أفضل ما تستطيع، لأن الله يعلم.

فالإتقان الحقيقي لا يبدأ من عين الإنسان التي تراقبك، وإنما من قلبك الذي يراقب الله.
وحين يستقر هذا المعنى في النفس، يصبح الإتقان أكثر من جودة في العمل؛ يصبح أمانة، وإحسانا، وعبادة، ورسالة.

وهنا نفهم عمق قوله (صلى الله عليه وسلم):
"إن الله كتب الإحسان على كل شيء".
فليس في حياتك شيء صغير إذا دخلت عليه روح الإحسان.
وليست هناك مسؤولية هينة إذا استحضرت فيها الأمانة.
وليست هناك كلمة عابرة إذا أدركت أن الله يسمعها.
وليست هناك مهمة بسيطة إذا علمت أن الله ينظر كيف تؤديها.

فاجعل الإحسان رفيقك في كل شيء...
واجعل الإتقان عنوانا لما بين يديك من عمل...
حتى إذا سألْت نفسك في نهاية الطريق:
ماذا تركت؟
لا يكن جوابك فقط: تركت أعمالا...
بل: تركت آثارا أحسنت صنعها.
اللهم ارزقنا الإحسان في كل ما يصدر عنا.
#أسامة_فخري_الجندي

تم نسخ الرابط