إن السياسة الناجحة لا تقاس بارتفاع الأصوات أو بتعدد الكلمات، بقدر ما تقاس بمدى قربها من هموم الناس وتطلعاتهم الحقيقية نحو الاستقرار والسكينة، وفي عالمنا العربي اليوم، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى حكمة تعيد ترتيب الأولويات وتضع مصلحة الأوطان فوق كل اعتبار. وحين نتأمل طبيعة العلاقات بين مصر وأشقائها العرب، نجد أنها لم تكن قط وليدة اللحظة أو المصالح العابرة، بل هي امتداد طبيعي لتاريخ طويل من الروابط الأخوية المتينة التي تعبر عن نبض واحد ووجدان مشترك. هذا المعنى يتجدد بوضوح في المشهد السياسي المتصل بدعم استقرار اليمن، حيث تتلاقى الإرادات المخلصة لتؤكد أن أمن المنطقة كلاً لا يتجزأ.
وفي هذا السياق، جاء الاتصال الهاتفي الذي تلقاه الرئيس عبد الفتاح السيسي من الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، ليجسد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع بين مصر واليمن. إن هذا التواصل المستمر ليس مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هو رسالة واضحة بأن مصر كانت وستظل حاضرة بقلبها وعقلها إلى جانب كل شقيق يسعى لحماية وطنه وبناء مستقبله. وقد تجلى ذلك بوضوح في تجديد الموقف المصري الثابت والداعم للجهود الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية شاملة تلبي تطلعات الشعب اليمني الشقيق، وتعيد له الأمن والازدهار ووحدة الأراضي والمؤسسات.
إن الموقف المصري من الأزمة اليمنية ينطلق من ثوابت وطنية وقومية راسخة تؤمن بأن الحلول العسكرية وحدها لا تكفي لصناعة السلام الدائم، بل لا بد من مسار سياسي جامع يجمع أبناء الوطن الواحد على كلمة سواء. وحين أشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بالدور المصري الداعم لاستقرار اليمن ووحدة أراضيه، وثمن المواقف المصرية الثابتة تجاه الشعب اليمني، فإنما يعبر عن تقدير عميق لسياسة العقل والحكمة التي تتبناها القاهرة في التعامل مع قضايا الأمة، بعيدًا عن أي حسابات ضيقة أو أطماع إقليمية.
ولا شك أن هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة تفرض على الجميع ضرورة مضاعفة الجهود وتنسيق المواقف بشكل دائم. فقد شدد الجانبان خلال مباحثاتهما على أهمية مواصلة التنسيق والتشاور لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو تنسيق يستهدف في المقام الأول قطع الطريق أمام المتربصين باستقرار الدول ومقدرات شعوبها. إن حماية الدولة الوطنية ومؤسساتها هي السبيل الوحيد لحماية الشعوب من ويلاتها وانقساماتها، ومن هنا يكتسب التحرك المصري بعدًا استراتيجيًا يهدف إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي والعربي.
إن قراءة متأنية لهذا المشهد تنصرف بنا إلى حقيقة هامة وهي أن الشعوب العربية تمتلك من الوعي ما يجعلها قادرة على تمييز الصديق الوفي من غيره، وأن الأواصر التي تجمع بين مصر واليمن هي أواصر دم وتاريخ ومصير مشترك. فلنعمل جميعًا على إسناد هذه الجهود المخلصة، ولنجعل من لغة الحوار والتعاون جسرًا نعبر به نحو ضفة الأمان، مستندين إلى إرادة سياسية حقيقية تؤمن بأن السلام هو الغاية الأسمى وبأن الأوطان تبنى بسواعد أبنائها المخلصين وبدعم الأشقاء الأوفياء.