هي فوضى حقيقية أن تتحول حياة الناس الخاصة إلى مادة للنشر، وأن تصبح الخلافات العائلية والاتهامات والصور الشخصية والأسرار مجالًا مفتوحًا للمشاهدة والتعليق والتداول، وكأن كرامة الإنسان أصبحت حقًا مشاعًا لكل من امتلك هاتفًا وحسابًا على منصات التواصل الاجتماعي. ما يحدث لم يعد مجرد تجاوزات فردية يمكن المرور عليها باعتبارها أخطاء عابرة، وإنما سلوك يتسع كل يوم، ويجد من يبرره ومن يروّج له ومن يحقق منه مشاهدات ومكاسب، بينما يدفع الثمن في الطرف الآخر إنسان قد يجد نفسه فجأة أمام آلاف الغرباء، مطالبًا بالدفاع عن حياته الخاصة وسمعته وبيته.
المشكلة هنا ليست في منصات التواصل الاجتماعي نفسها، فهي أدوات يمكن أن تكون نافذة للمعرفة والحوار والتواصل، وإنما في الطريقة التي يستخدمها البعض بها. الهاتف الذي يمكن أن ينقل خبرًا نافعًا في ثوانٍ، يستطيع أيضًا أن ينقل صورة خاصة أو اتهامًا بلا دليل إلى آلاف الأشخاص في اللحظة نفسها. والكلمة التي يكتبها شخص جالس خلف شاشة قد تبدو له بسيطة، لكنها قد تصل إلى أسرة كاملة كحجر أُلقي في بيت من زجاج. لذلك فإن الحديث عن المسؤولية لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة، لأن سرعة الانتشار جعلت الخطأ أسرع من الاعتذار، وأصبح حذف المنشور بعد ساعات لا يعني بالضرورة أن أثره قد اختفى.
وهنا يجب أن نفرق بوضوح بين حرية التعبير والفوضى. من حق أي إنسان أن ينتقد، وأن يختلف، وأن يسأل، وأن يعترض، لكن ليس من حقه أن يحول الاختلاف إلى تشهير، أو أن يجعل الخلاف الشخصي مبررًا لنشر الأسرار، أو أن يستخدم صورة خاصة للضغط على صاحبها، أو أن يطلق اتهامًا خطيرًا ثم يختبئ خلف عبارة «أنا مجرد ناقل». الحرية مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا، والنقد الذي يستند إلى وقائع شيء، والاعتداء على السمعة والخصوصية شيء آخر تمامًا.
المؤلم أن بعض الحسابات والصفحات أدركت أن الطريق الأقصر إلى المشاهدة هو الاقتراب من المناطق الأكثر حساسية في حياة الناس. كلما كان المحتوى أكثر إثارة، زادت التعليقات، وكلما كانت القصة أكثر فضائحية، ارتفع معدل المشاركة. وهكذا أصبحت معاناة الإنسان وقودًا للترند، وأصبحت الخصومة الشخصية مشروعًا للمشاهدة، وتحولت بعض البيوت إلى مسارح مفتوحة أمام جمهور لا يعرف أصحابها ولا يعرف حقيقة ما جرى بينهم. وهنا لا نتحدث فقط عن سوء استخدام للتكنولوجيا، وإنما عن تجارة تقوم على استغلال ضعف الآخرين وتحويل أوجاعهم إلى محتوى قابل للبيع.
والضرر في هذه الحالة لا يصيب الشخص المستهدف وحده. عندما تنتشر صورة أو قصة أو اتهام، فإنها تصل إلى الأبناء والأقارب وزملاء العمل والجيران، وقد يجد طفل نفسه أمام أسئلة لا يستطيع فهم سببها، أو تجد أسرة كاملة نفسها مطالبة بتبرير شيء لم تصنعه. وقد يكون الاتهام كاذبًا، لكن الكذب في منصات التواصل الاجتماعي يستطيع أن يقطع مسافة طويلة قبل أن تصل الحقيقة. ولهذا فإن ترك المحتوى المسيء ساعات أو أيامًا بلا تدخل مناسب قد يعني ببساطة ترك الضرر يتضاعف.
من هنا تصبح الحاجة إلى آلية واضحة وسريعة للتعامل مع شكاوى التشهير وانتهاك الخصوصية أمرًا ضروريًا. يجب أن يعرف المتضرر إلى أين يتوجه، وكيف يقدم شكواه، ومتى يحصل على رد، وأن تكون هناك إجراءات سريعة في الحالات التي يكون فيها الانتهاك واضحًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حق الطرف الآخر في الدفاع والمراجعة. فالهدف ليس إسكات النقد، وإنما وقف الاعتداء على الحقوق إلى أن تتضح الحقيقة.
والتصحيح أيضًا يحتاج إلى إعادة نظر. ليس من العدل أن ينتشر الاتهام في آلاف الحسابات، ثم يظهر التصحيح في سطر صغير لا يراه أحد. إذا كان الخطأ قد وصل إلى جمهور واسع، فمن المنطقي أن يكون تصحيح المعلومة واضحًا ومتناسبًا مع حجم انتشارها. حذف المحتوى خطوة مهمة، لكنه لا يمحو آثاره تلقائيًا، خصوصًا إذا كان قد تم تصويره وإعادة نشره وتخزينه في عشرات الصفحات والحسابات.
كما ينبغي أن تكون هناك مسافة واضحة بين من أخطأ دون قصد ثم بادر إلى تصحيح خطئه، وبين من تعمد اختلاق المعلومات أو تكرار الإساءة، وبين من جعل التشهير نشاطًا مستمرًا يحقق منه مشاهدات وأموالًا. فالمسؤولية لا يمكن أن تكون واحدة في جميع الحالات، وإلا أصبح من يخطئ بحسن نية مساويًا لمن يبني حضوره على أذى الآخرين.
ولا ينبغي أن ننسى دور الجمهور. فكل محتوى مسيء يحتاج إلى من يمنحه الحياة. المشاركة ليست فعلًا محايدًا دائمًا، والتعليق الغاضب قد يزيد الانتشار، وإعادة إرسال المقطع بدافع الفضول قد تجعل الضحية تدفع ثمنًا أكبر. نحن نشارك أحيانًا في صناعة الشيء الذي نشكو منه، ثم نتساءل كيف وصل إلى هذا الحد. ولو أدرك الناس أن المشاهدة والمشاركة يمكن أن تكونا وقودًا لهذا النوع من المحتوى، لتغير جزء كبير من المشهد.
المطلوب إذن ليس إغلاق منصات التواصل الاجتماعي، ولا تحويلها إلى مساحة صامتة تخشى النقد والاختلاف، وإنما وضع حدود واضحة للفارق بين التعبير والاعتداء. نريد نقاشًا مفتوحًا، لكن لا نريد انتهاكًا للخصوصية. نريد نقدًا جريئًا، لكن لا نريد تشهيرًا. نريد كشفًا للخطأ، لكن لا نريد اتهامات بلا دليل. ونريد قانونًا يحمي الإنسان، لا أن يصبح القانون نفسه غائبًا بينما تنتشر الإساءة أمام الجميع.
كرامة الناس ليست مادة للترند، وحياتهم الخاصة ليست حقًا مشاعًا، وبيوتهم ليست مسرحًا مفتوحًا لمن يبحث عن مشاهدات أو شهرة أو مكسب. وما لم ندرك هذه الحقيقة، سنظل نطارد كل منشور مسيء بعد انتشاره، بدلًا من أن نمنع الفوضى قبل أن تتحول إلى أذى.
هي فوضى، نعم، لكنها فوضى يمكن مواجهتها عندما تصبح المسؤولية واضحة، والمحاسبة حقيقية، والتعامل مع الانتهاك سريعًا، ويعرف كل من يضغط زر «نشر» أن خلف الاسم والصورة إنسانًا له كرامة وأسرة وحق في الخصوصية. عندها فقط يمكن أن تعود منصات التواصل الاجتماعي إلى دورها الطبيعي: مساحة للتواصل والتعبير، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وهدم حياة الناس.