عاجل

شادي الزيات: المرحلة المقبلة تتطلب الاهتمام ببناء وتطوير المهنة العقارية المصرية

شادي الزيات
شادي الزيات

أكد الدكتور شادي الزيات، خبير التطوير العقاري، أن المرحلة المقبلة من تطور السوق العقارية المصرية تتطلب الاهتمام ببناء المهنة العقارية نفسها، بالتوازي مع نمو حجم المشروعات والاستثمارات، موضحا أن نضج الصناعة لا يقاس فقط بحجم المبيعات أو عدد المشروعات، وإنما بمدى تطور المؤسسات والكفاءات والمعايير التي تحكم الممارسة داخل السوق.

وقال "الزيات": إن صناعة التطوير العقاري شهدت خلال السنوات الماضية توسعا واضحا في حجم النشاط وتنوع المنتجات وتطور أدوات التسويق والبيع، وأصبحت تضم عددًا كبيرًا من الشركات والكوادر العاملة في مختلف التخصصات، إلا أن نمو النشاط الاقتصادي لا يعني بالضرورة أن جميع مكونات الصناعة تطورت بالسرعة نفسها.

وأوضح أن أحد الملفات التي تحتاج إلى اهتمام أكبر هو بناء مسارات مهنية واضحة للعاملين في القطاع، بحيث لا تعتمد الكفاءة بصورة أساسية على سنوات الخبرة أو الانتقال من شركة إلى أخرى، وإنما تكون هناك معايير أكثر وضوحًا تحدد المهارات والمعارف المطلوبة في كل مستوى وظيفي، من بداية العمل في المبيعات والتسويق وحتى الوصول إلى المناصب الإدارية والقيادية.

وأشار إلى أن الخبرة تظل عنصرًا أساسيًا في أي صناعة، لكنها لا يمكن أن تكون البديل الوحيد عن التأهيل، كما أن المعرفة الأكاديمية وحدها لا تكفي من دون ممارسة عملية، وهو ما يجعل بناء المهنة العقارية قائمًا على الدمج بين التعليم والتدريب والخبرة التطبيقية والتطوير المستمر.

وأضاف أن أحد التحديات التي تظهر داخل بعض الشركات هو التعامل مع التطور الوظيفي باعتباره انتقالًا تلقائيًا من مستوى إلى آخر، فقد ينجح الموظف في تحقيق نتائج قوية في المبيعات ثم ينتقل إلى الإدارة، رغم اختلاف طبيعة المهارات المطلوبة في كل مستوى، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى وضع الشخص المناسب في الدور الخطأ لمجرد نجاحه في الدور السابق.

وأكد "الزيات" أن الانتقال من وظيفة المبيعات إلى الإدارة ليس مجرد ترقية في المسمى الوظيفي، وإنما انتقال من مسؤولية فردية إلى مسؤولية عن فريق وأداء ونظم وقرارات، ولذلك يحتاج المدير الجديد إلى تأهيل مختلف في القيادة والتخطيط وإدارة الأداء والتعامل مع الأفراد واتخاذ القرار.

وأوضح أن الأمر نفسه ينطبق على الانتقال من الإدارة الوسطى إلى المناصب القيادية، حيث تتسع المسؤولية لتشمل قراءة السوق وبناء الاستراتيجيات وإدارة الموارد وتحقيق التوازن بين المبيعات والربحية والاستدامة وبناء المؤسسات.

وأشار إلى أن بناء مسار مهني واضح داخل القطاع يمكن أن يحقق أكثر من هدف في الوقت نفسه، فهو يساعد الشركات على اكتشاف الكفاءات وتطويرها، ويساعد الموظف على معرفة المهارات التي يحتاج إلى اكتسابها للانتقال إلى المستوى التالي، كما يرفع مستوى الممارسة المهنية ويخلق بيئة أكثر قدرة على الاحتفاظ بالخبرات.

وشدد على أن التدريب في القطاع العقاري يجب ألا يُنظر إليه باعتباره نشاطًا موسميًا يتم اللجوء إليه عند تعيين موظفين جدد، وإنما ينبغي أن يتحول إلى عملية مستمرة مرتبطة بالمسار الوظيفي، تبدأ مع دخول الموظف إلى الصناعة وتستمر مع انتقاله إلى مستويات أكثر تعقيدًا من المسؤولية.

وأضاف أن الشركات تحتاج أيضًا إلى تحويل المعرفة الفردية إلى معرفة مؤسسية، من خلال توثيق التجارب والخبرات وأفضل الممارسات، وتحليل أداء فرق العمل، ودراسة أسباب نجاح أو فقدان الصفقات، والاستفادة من البيانات في تطوير أساليب البيع والتسويق والإدارة، بدلًا من ترك الخبرة محصورة داخل عقول عدد محدود من الأفراد.

وأكد "الزيات" أن تطوير المهنة العقارية يرتبط كذلك بحماية العميل، لأن العميل في النهاية يتعامل مع مجموعة من الأشخاص الذين يقدمون له المعلومات ويفسرون له طبيعة المنتج ويشرحون له أنظمة السداد والتعاقد، وبالتالي فإن مستوى كفاءة هؤلاء العاملين ينعكس بصورة مباشرة على جودة التجربة التي يحصل عليها العميل.

وأوضح أن المستشار العقاري يحتاج إلى مجموعة متكاملة من المعارف والمهارات، تشمل فهم المنتج والسوق، ومبادئ التسويق والمبيعات والتفاوض، والقدرة على قراءة احتياجات العميل، إلى جانب قدر مناسب من المعرفة الاقتصادية والمالية والقانونية التي تساعده على تقديم المعلومات بصورة أكثر مهنية.

وأشار إلى أن تطوير المهنة لا يعني بالضرورة أن تبدأ الدولة أو القطاع الخاص مباشرة بفرض نموذج واحد على جميع العاملين، وإنما يمكن أن يبدأ من بناء معايير واضحة للتأهيل والتدريب والتعليم المستمر، ثم دراسة الأطر المهنية المناسبة للسوق المصرية وفق احتياجاتها وطبيعة القطاع.

وأكد أن فكرة الترخيص المهني، إذا طُرحت مستقبلًا، يجب ألا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد تصريح لممارسة العمل، وإنما كجزء من منظومة متكاملة يمكن أن تشمل التأهيل والاختبارات المهنية والتعليم المستمر وأخلاقيات الممارسة وآليات تحديث المعرفة، بما يضمن أن تظل الكفاءة عملية مستمرة وليست شهادة يحصل عليها الشخص مرة واحدة.

وأضاف أن الجامعات المصرية يمكن أن يكون لها دور أكبر في هذه المنظومة من خلال ربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات الصناعة، وتطوير البرامج والدراسات المرتبطة بالتسويق العقاري والاقتصاد الحضري وسلوك المستهلك والتمويل العقاري وتحليل الأسواق وإدارة الأصول والتكنولوجيا العقارية، بما يفتح مساحة أكبر للتكامل بين الدراسة الأكاديمية والممارسة العملية.

وأشار إلى أن شركات التطوير العقاري نفسها تمثل طرفًا أساسيًا في عملية بناء المهنة، لأنها الأكثر قدرة على تحديد المهارات المطلوبة فعليًا داخل السوق، ومن ثم فإن التعاون بين الشركات والمؤسسات التعليمية والجهات المهنية يمكن أن يخلق إطارًا أكثر واقعية لتطوير الكفاءات.

ولفت إلى أن الهدف النهائي من تطوير المهنة لا ينبغي أن يكون زيادة الإجراءات أو خلق حواجز أمام العاملين، وإنما رفع جودة الممارسة وتعزيز الثقة بين أطراف السوق، مؤكدًا أن الصناعة الأكثر نضجًا هي التي تستطيع أن تضع معايير واضحة للكفاءة دون أن تفصل بين احتياجات الشركات وحقوق العاملين والعملاء.

وأوضح الزيات أن السوق العقارية المصرية قطعت مراحل مهمة في تطوير المنتج وتوسيع حجم الاستثمار، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير العنصر البشري والمؤسسي بالسرعة نفسها التي تطور بها المنتج العقاري، لأن استمرار النمو يتطلب مؤسسات قادرة على التعلم والاحتفاظ بالخبرات وإعداد أجيال جديدة من الكفاءات.

وأضاف أن قياس نجاح الصناعة لا يجب أن يتوقف عند سؤال «كم وحدة تم بيعها؟»، وإنما يجب أن يمتد إلى أسئلة أخرى تتعلق بجودة الكفاءات التي تم بناؤها، وقدرة الشركات على إعداد القيادات، ومستوى المعلومات التي يحصل عليها العميل، ومدى قدرة المؤسسات على الاحتفاظ بالمعرفة والخبرة، ومستوى المهنية في مختلف مراحل التعامل مع المنتج العقاري.

وأكد أن بناء المهنة العقارية يمثل في النهاية جزءًا من بناء صناعة أكثر نضجًا، لأن المنتج العقاري مهما تطور يحتاج إلى مؤسسات تديره وكفاءات تسوقه وتبيعه وتخدم عملاءه، ومعايير تحكم هذه العملية وتحافظ على استدامتها.

وذكر "الزيات" أن انتقال السوق من الاعتماد الأكبر على الخبرة الفردية إلى منظومة أكثر مؤسسية في بناء الكفاءات والمعرفة يمثل خطوة أساسية في مسار نضج الصناعة، بحيث تصبح المهنية عنصرا أصيلا في قيمة المنتج العقاري وفي قدرة السوق على النمو بصورة أكثر استدامة.

واختتم "الزيات" بالتأكيد على أن مستقبل صناعة التطوير العقاري لا يتحدد فقط بحجم المشروعات التي يتم بناؤها، وإنما أيضًا بمستوى الكفاءات التي تدير هذه المشروعات والمؤسسات التي تحتفظ بالمعرفة والمعايير التي تنظم الممارسة.

تم نسخ الرابط