من فلسطين إلى مياه النيل.. كيف طرحت مصر رؤيتها أمام المجتمع الدولي؟
حملت كلمة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، رسائل مصرية بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والأمن المائي، في إطار التأكيد على أهمية احترام القانون الدولي ورفض فرض الأمر الواقع، بالتوازي مع طرح رؤية مصر تجاه التعامل مع الأزمات الدولية.
ورأى الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن كلمة رئيس الوزراء عكست رؤية مصر للتعامل مع الأزمات الدولية، مشيرا إلى أن إدارة الأزمات بدلا من حلها لا تصنع استقرارا، وأن العالم يحتاج إلى حلول حقيقية وليس مسكنات مؤقتة.
معاناة الفلسطينيين لا يجوز أن تصبح واقعا مألوفا
وأضاف البرديسي لـ"نيوز رووم" أن كلمة مدبولي تناولت الملف الفلسطيني، حيث أكد أن معاناة الشعب الفلسطيني لا يجوز أن تتحول إلى واقع مألوف، مشيرا إلى أن تمكين الفلسطينيين من إدارة دولتهم يمثل الطريق إلى تحقيق سلام حقيقي.
وأشار إلى أن مصر جددت، من خلال كلمة رئيس الوزراء، رفضها القاطع لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم، مؤكدة أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون بوابة للوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، وليس ستارا لتأجيل الحل.
الأمن المائي المصري قضية وجودية
وفيما يتعلق بملف مياه النيل، أوضح البرديسي أن مدبولي وضع المعادلة المصرية أمام المجتمع الدولي، والتي تقوم على أن مصر لا تقف ضد حق أي دولة في تحقيق التنمية، لكن أمنها المائي يمثل قضية وجودية بالنسبة لها، باعتبار أن نهر النيل شريان حياة لا يقبل المساومة.
ولفت خبير العلاقات الدولية إلى أن الرسالة الأشمل في كلمة مدبولي تتمثل في رغبة مصر في نظام دولي يحترم سيادة الدول ويحتكم إلى قواعد القانون الدولي، بما يضمن التعاون في مجال التنمية، والعدالة في الحقوق، وتحقيق الأمن بعيدا عن أي محاولات للابتزاز.
كلمة مدبولي وضعت فلسطين والنيل في إطار السيادة والقانون الدولي
من جانبه، أكد النائب عصام هلال عفيفي، عضو مجلس الشيوخ، أن كلمة مدبولي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وضعت قضيتي فلسطين والنيل ضمن إطار يقوم على السيادة والقانون الدولي ورفض فرض الأمر الواقع، مع حماية المصالح الوطنية من خلال المؤسسات الدولية.
وأوضح عصام هلال، في تصريحات لـ"نيوز رووم"، أن تناول مصر للقضية الفلسطينية لم يقتصر على التأكيد على دعمها، وإنما استند إلى مجموعة من المبادئ، في مقدمتها رفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة أو الضفة الغربية، ورفض ضم الأراضي الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية وترابطها.
وأضاف أن الموقف المصري يتضمن كذلك التأكيد على إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مشيرا إلى أن تحقيق الاستقرار يرتبط بالحل السياسي للقضية وليس بمجرد إدارة الصراع.
الموقف المصري من القضية الفلسطينية
ولفت إلى أن هذا الموقف يتقاطع مع ما طرحه الأمين العام للأمم المتحدة خلال اجتماع 22 سبتمبر بشأن حل الدولتين على أساس خطوط ما قبل عام 1967، باعتباره الإطار المستند إلى القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.
وأشار إلى أن أهمية الموقف المصري من القضية الفلسطينية لا ترتبط، من وجهة نظره، بكونه موقفا جديدا، وإنما بتوقيت طرحه، موضحا أن مصر تسعى إلى التأكيد على أن القضية الفلسطينية ترتبط بالنظام الإقليمي والأمن الدولي، ولا تقتصر على كونها ملفا إنسانيا يتعلق بقطاع غزة.
الأمن المائي في مقدمة الرسائل المصرية
وانتقل عصام هلال إلى ملف الأمن المائي، معتبرا أن التأكيد على حقوق مصر في مياه النيل كان من أبرز الرسائل التي تضمنتها كلمة رئيس الوزراء.
وأوضح أن مصر أكدت أن الأمن المائي يمثل قضية وجودية لا تحتمل المساومة، مع تمسكها بحقها في حماية أمنها المائي وفقا لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي.
وأشار إلى أن الصياغة المصرية لم تتعامل مع قضية مياه النيل باعتبارها خلافا بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة فقط، وإنما وضعتها في إطار أوسع يرتبط بكون النيل نهرا دوليا مشتركا، وقواعد القانون الدولي، ورفض الإجراءات الأحادية، وحماية مصالح دول المصب.
الموقف من سد النهضة
وأكد أن هذه الرؤية تمنح طرح قضية مياه النيل بعدا دبلوماسيا يتجاوز المطالبة بحصة مصر من المياه، مشيرا إلى أن وزير الخارجية المصري سبق أن عرض الموقف نفسه أمام الأمم المتحدة، مع التأكيد على ضرورة إدارة الموارد المائية المشتركة وفقا لقواعد القانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل الشرقي.
رسالة واحدة تجمع فلسطين والنيل
وقال عصام هلال إن الجمع بين القضية الفلسطينية وملف مياه النيل في كلمة رئيس الوزراء يعكس، من وجهة نظره، رؤية تقوم على التمسك بالقانون الدولي في الملفات التي تمس المصالح المصرية.
وأوضح أن مصر تؤكد في القضية الفلسطينية رفض الاحتلال والضم والتهجير، والتمسك بحق تقرير المصير، بينما تؤكد في ملف مياه النيل رفض الإجراءات الأحادية والتمسك بالتعاون والاتفاق والقانون الدولي.
وأضاف أن الرسالة المصرية، وفقا لرؤيته، تتمثل في رفض فرض واقع جديد بالقوة أو بالأمر الواقع على حساب حقوق الآخرين، مشيرا إلى أن هذه الرسالة تكتسب أهمية في ظل ما وصفه بدخول ملف سد النهضة مرحلة أكثر حساسية خلال سبتمبر الحالي، بالتزامن مع استمرار مصر في طرح الأمن المائي باعتباره قضية وجودية.